في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

بهذه الكلمة: "ألا أُخبركم" فقد انتبهت إليه كلُّ الأسماع واشرأبَّت إليه كلُّ الأعناق، وكلُّهم قالوا: بلى يا رسول الله، إنَّنا راغبون في إخبارنا بهذه الفضائل، فقال لهم: ما يمحو الله به الخطايا، … والخطيئة هي السيِّئة، والدرجة هي الحسنة، أي ألا أخبركم بما يمحو الله به السيئات، ويضاعف به الحسنات، ويرفع به درجاتكم في الجنة .. وهل من أمل في هذه الدُّنيا إلاَّبأن يمحوَ الله سيئاتنا ويضاعف حسناتنا ويرفع درجاتنا؟

لم يروِ الراوي أنَّهم قالوا: «بلى»؛ لأنهم راغبون في ذلك فشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الفضائل، بثلاث أمور: أوَّلها إسباغ الوضوء على المكاره، ثانيها: كثرة الخُطى إلى المساجد، ثالثها: انتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة في المساجد طبعًا.

فضل إسباغ الوضوء على المكاره:

«إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ» هي أوَّل هذه الخصال، وهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كلمة قبل الوضوء وكلمة بعده وفي كلا الكلمتين أهميَّة، فلم يقُل مباشرة: الوضوء وإنَّما قال: إسباغ، وزيادة كلِّ كلمة من النبي صلى الله عليه وسلم لها معناها ومغزاها، والإسباغ يعني تعميم الجوارح وشمولها بالغُسل ـ مثلما تقدَّم لنا ـ في الأماكن الغائرة ومغابن الجسد فيما يصعب إيصال الماء إليه بين الأصابع، وفي بطون الأقدام والعراقيب، والإسباغ هو الشُّمول والتَّعميم، فيُقال الثَّوب السَّابغ هو الثَّوب الكامل الذي يستر من المفرق إلى القدم.

أمَّا الكلمة التي بعد الوضوء فقوله "على المكاره" أي في الأوقات التي يُكرَه أن يُتوضَّأ فيها؛ خاصَّة في فصل الشتاء، حيث البرد الشديد، فعند انتقاض الوضوء، لابُدَّ للمتوضِّئ أن يرفع أكمام يديه أو ينزع قميصه وجواربه، وقد يتعرَّض للريح وللبرد، خاصَّة إن كان في مكان لا يستطيع فيه توفير ماءٍ دافئٍ، أو كان في سفرٍ، فبالرغم من هذا كله على المتوضِّئ

١٧٥ / ٢٣٢