في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٣«ثُمَّ كَذَلِكَ حتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» أي جميع الأعضاء الأخرى، مِن مسح الرَّأس والأذنين، وغسل الرِّجلين وإلى غير ذلك، فتيقَّنْ إذن أخي المتوضِّئ أنَّك عندما تتوضأ فأنت لست تغسل من أعضائك الوسخ الظاهري فقط من الغبار أو الدَّرن، وإنَّما تغسل معك ذنوبك أيضًا، فيا بُشرى لك أيُّها المتوضِّئ بهذا الفضل، فالله تعالى يريد أن نقف بين يديه ونحن أطهارٌ نِظافٌ من الوسخ الظاهريِّ والباطنيِّ، فالله تعالى يُنقّينا من الآثام والذُّنوب يوميًّا خمس مرَّاتٍ حتَّى نغدوَ أطهارًا أنقياء وحتَّى يُؤذَن لنا أن ندخُل على ملِك الملوك ونحن على أطهر ما نكونُ حتَّى نُناجيه، فلننظر بماذا نُناجيه، فهل نحنُ حقًّا نناجيه بقلوبنا وألسنتنا أم نُناجيه بألسنتنا ولكن قلوبنا غافلة عن ذكره، فالله تعالى ليس كغيره من المخلوقين الذينلو نافقتَ أمامه بلسانك فإنهم لا يتفطَّنون، وأمَّا الله
تعالى فلابدَّ أن نُكلِّمه بألسنتنا وقلوبُنا حاضرة معه، والقلب هو موقع نظر الرَّب جلَّ وعلا، فعندما يقفُ المسلم بين يدي ربِّه فإنَّه لا يرى أطرافه وجوارحه ولسانه، وإنَّما يرى إلى قلبه وما يحويه، وإنَّ الله مُقبل عليه ما أقبل على الله، فإذا أعرض عنه أعرض الله عنه، وهو موقفٌ مهيبٌ.
فإذا كان الله تعالى نقَّاك وطهَّرك من كلِّ دنسٍ ومن كلِّ ذنبٍ ثمَّ أذِن لك في الدُّخول عليه وأذن لك في مناجاته وأقبل عليك، فلماذا تُدبر ولماذا تُعرِض؟، فمن سوء الأدب مع الله تعالى أن نذهب إليه في صلاتنا بأجسامنا ولكن قلوبنا متعلِّقة بالدُّنيا، فلنحذر ولنجاهد أنفسَنا ولنُرجِع قلوبَنا إلى الصلاة، ولنعلَم أنَّنا نُناجي ملك الملوك، فيا طوبى لنا:
فمن قال بالتَّكبير حينَ صَلاتِهِ صَارَ كعبدٍ بَابَ مَولاهُ يَقرَعُ
فصارَ لِرَبِّ العرشِ حِينَ صَلاتِهِ نَجيًّا فيَا طُوبَاهُ إِنْ كَانَ يَخشَعُ(1)
(1) ينظر، السالمي، معارج الآمال، 5/ 20، بلفظ:
فَمَن قَامَ لِلتَّكبِير لاَقَتهُ رَحمَة **** وكَانَ كَعبدٍ بَابَ مَولاَهُ يَقرَعُ
فَصارَ لِرَبِّ العرشِ حِينَ صَلاَتِهِ **** نَجِيًّا فَيا طُوبَاه إِنْ كانَ يَخشَعُ