في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦

فهذا الحديث الشريف لا يقتصر تنبيهه لنا على مسألة المطر فحسب، وإنَّما هو مثالٌ لكثير من الأمور التي ربما قد نغفل فيها عن مسبب الأسباب، وعن القادر على أن يرزق ويشفي بغير سبب، فكثيرٌ من الناس يُبتلون بأمراض ثم يُعافون منها من غير دواء، وكثيرٌ من الناس يمرضون فيعالجون ويتَّخذون الأسباب ومع ذلك لا ينفعهم مداواتهم فيموتوا، وكثيرٌ من الناس يمرضون ويتداوون فيشفون بإذن الله تعالى.

إنَّ دور الأدوية التي نستعملها ـ في حقيقة الأمر ـ ما هو إلاَّ لمساعدة الكريات المدافعة بالقوة للدفاع عن الجسم ضدَّ الجراثيم كمثل جيش وهبتَهُ سلاحًا وأمرتَه بمقاومة العدوِّ، ولكن بعد ذلك ژٹٹٹٹ???ژ (الأنفال: 10)، فقد تُعطى القوَّة لتلك الكريّات المدافعة ولكن مع ذلك تُهزم، وقد لا يُعطى للمريض دواء فيغلِّب الله تلك الكريات المدافعة على الجراثيم فيُشفى بإذنه، وقد تخرج تلك الجراثيم مهزومة مدحورة بغير دواء أبدًا، فعلينا إذن أن نتعلَّق دائما وأبدًا بالله تعالى، فهو الذي يرزق وهو الذي يُشفي، وهو الذي ينزِّل الغيث من السماء، وهو الذي يُحيِي وهو الذي يُميت، وهو الذي يَفعل في مُلكه ما يريد، وأمَّا الأسباب فما هي إلاَّ بتسخير منه عزَّ وجلَّ.

فلنحذر إذن من أن يكون منَّا من يشرك بالله بعد الشفاء من المرض، أو بحلول الأمن بعد الحرب، أو بقدوم الخصب بعد الجذب، أو بمجيئ النعمة بعد الجوع، فنغفل عن الله فنقول بسبب الريح الفلاني، أو النجم الفلاني، لا فالقضية قضيَّة إيمانٍ وكفرٍ.

«أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ»: فهو أحد الفريقين فإن قلتَ بفضل الله وبرحمته، فأنت مؤمن بالله وكافرٌ بما سواه، وإن قلتَ إنَّ السبب هو ذلك الطقس

أو ذلك التأثير، وغفلت عن الله الذي كلُّ شيء بأمره ومنه، فقد كفرت به وآمنت بالطواغيت.

٣٦ / ٢٣٢