في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٠

والعياذ بالله، ماذا فعلتُ؟ انصحني إن كنت عملتُ معصية. أمَّا ردُّه بنفس ما قيل له كأن يقول: «بل أنت الكافر»، ففي هذا انتقامٌ للنفس وفيه شطط، وغضب، والغضب يؤدي إلى النار؛ «مسكين ابن آدم إذا غضب غضبةً وثب وثبة يوشك أن يقع بها في النار»(1) فإن قلت لك: «يا كافر» فاسأل وماذا صنعت؟ فإن كان الذي صنعتَ يُكفِّرك فتب إلى الله، وإن كنتُ أنا الذي كفَّرتك بغير موجب فسأتوب إلى الله تعالى. إذن فهذه المجادلة وهذه الملاحاة باسم الكفر يجب ألاَّ تكون بين المسلمين بعضهم بعضا، سواء أكانت بمعصية أم بدونها، لأنَّها توصل إلى العناد، والشيطان يفعل فعلته بالنفخ بين العباد، ولذا عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم "بالبادئ أظلم"، ولم يقل البادئُ هو الظالم، يعني أنه لم يحصل الظلم على أحدهما فقط لأنه هو الظالم، بل عليهما جميعا، وهي إشارة إلى أنَّ هذه الملاحاة وهذه المعايرة وهذا الترامي بالألقاب، ماكان ينبغي أن يكون بين المسلمين، ولو في حال وقوع معصية، بل ينبغي أن يكون بينهم التناصح بلطف.

حكم لعن غير المستحق للعن:

وهنالك مسألة أخرى كثيرًا ما تقع بين الآباء والأطفال الصغار، بل وحتى مع الدواب التي نستعملها؛ حين نرميهم بكفر أو تهويد أو تنصير في حين هي لا ذنب لهم ولا يجوز أن نُعيِّرهم بذلك، وبالأخص كثيرًا ما يقع مثل هذا بين الأمهات وأبنائهن، لأنَّ الرجال يربّون بأسلوب آخر وهو العقاب إن لزم الأمر، وعادة ما يهاب الولد

(1) أخرجه الغزالي، أبوحامد، إحياء علوم الدين، بلفظ: «قال الحسن: يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار»، كتاب ذم الغضب والحقد والحسد، 3/ 165.

٥٠ / ٢٣٢