في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٨

كما جاء في حديث آخر «نَقِّ عملك فإنَّ الناقد بصير»(1)، أي أخلوا أعمالكم من الرياء والشبهة لأنَّ الناقد الذي سينقده يوم القيامة بصير، والناقد هو الصرَّاف الذي

ينقد الدراهم والدنانير ليظهر صحيحها من مزيَّفها، إن كانت من الذهب أو الفضة الخالصة أم أنَّها مزيفة، أما النَّاقد يوم القيامة فهو الله تعالى، وهذا هو المثال الثاني الذي وصف به المخلصين المنفقين ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم، تكون جنَّتهم وافرة الأشجار والثمار، وإذا أصابها وابلٌ فيزيدها ثمارًا، بعكس الوابل الذي يصيب الصفوان فيجرف كلَّ شيء معه، ففي الأولى أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، وفي الثانية أصابها وابل فتركه صلدا، ففي هذا عبرة عن الخير الكبير الذي يؤتى لمن ينفق ابتغاء وجه الله، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكورًا.

التحذير من مُحبطات الأعمال:

ثم أعطى الله تعالى لنا مثالا آخر فقال: ژ????????????چچچچ?????????? ژژڑڑککککگژ (البقرة:266). مثال جميلٌ عن إنسان له جنَّة غنَّاء فيها من وسائل الحياة كل شيء من ماء وعيون وأنهار ووسائل، وهو كبير السنِّ وأبناؤه صغار، فهو لا يَعتمد في معاشه ـ بعد الله تعالى ـ إلاَّ على هذه الجنَّة، فأصابها الله تعالى بإعصار فيه نار أتى على الأخضر واليابس فأحرقها جميعًا، ولم يبق منها إلاَّ الأرض والرماد، فكيف يكون حال هذا الشيخ الكبير وأبناؤه الضعفاء، إنَّ هذا هو مثل من يظن أنه يصليِّ ويصوم ويتصدَّق ويحجُّ في الدنيا، وحين يصير إلى الله تعالى يوم القيامة، يجد ما كان يتمنى أن يراه كجبال من الحسنات، قد زال وتآكل، كما يأكل السوس الثمار المخزنة في المخزن.

(1) ينظر: الديلميّ الهمذاني، الفردوس بمأثور الخطاب، بلفظ: «يَا أَبَا ذَر جدِّد السَّفِينَة فَإِن الْبَحْر عميق، وخفّفِ الْحمل فَإِن السَّفَر بعيد، واحمِل الزَّاد فَإِن الْعقبَة طَوِيلَة، وأخلِص الْعَمَل فَإِن النَّاقِد بَصِير» 5/ 339 ..

٥٨ / ٢٣٢