في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٩

الرحمن»، لكن ليستبشر خيرًا، ويدعو الله أن يثبته على الإيمان، "اللهم يا مقلِّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك" وهذا هو واجب العبد نحو ربّه، بأن يقف في مقام العبودية، ولا يتعدَّى إلى أسرار الربوبية.

هذا القدر، أمَّا الحذرُ فهو عمل العبد به، أي أنَّ العبد لا ينبغي أن يستكين، ويعتقد بما أنَّ كل شيء مكتوب في القدر فلا داعي للعمل إذن. لا، فنحن مطالبون بالعمل والحذر، فالقدر حقّ، والحذر مطلوب، وليس معنى ذلك أنّ الإنسان إذا كان يحذر فهو يحاول تغيير القدر، بأن يحذر من الوقوع في الأخطار مثلا، أو يبتعد عن أسباب الهلاك، ولا يغشى مواطنَ الخطر أو يعالج مما قد أصيب به من مرض، فهذا كله مطلوب وليس تغييرًا للقدر، لأنَّ الحذر نفسه مكتوب على الإنسان في القدر.

«حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، سواء عجز قصور في البدن أو عجزًا في الفكر أو العلم، فكلُّ شيء مكتوب على الإنسان في القدر، بأنه يعجز أو يغفل أو ينسى أو يذهب فيفوته ما كان يطلبه، وكذلك الكيسُ مكتوبٌ في القدر، فإن كان المرء حاذقا لبيبا يقدِّر للعواقب حسابها، يتَّخذ الأسباب لمحاسن الأمور كي لا تفوته، ولسيّء الأمور أيضا كي لا تصيبه، بحكمته وعلمه وألمعيَّته وبُعد نظره، فحصل على العواقب الحسنة، فإنَّ هذا كله كائن له بقضاء وقدر، وقد كُتب عند الله أنه سيحتاط ويحسب للعواقب حسابها، ثم لا يصيبه إلاَّ ما قد قدّر له.

٧٩ / ٢٣٢