في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٠

«أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ قَاَل: فِرَارٌ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ»(1) فإن فرَّ المرءُ مثلا من شيء مهول مخيف من سقوط جدار مثلا، فإنَّه فرَّ من قدر الله إلى قدر الله، وهي السلامةُ والنجاةُ، وليس في هذا تغييرٌ لقدر الله، وإن كُتب له الهلاك والضرر، فهو أيضا من قدر الله. ولا ينبغي للناجي من السوء أن يقول كُتبت لي السلامة بسب حذري وتجنُّبي وفراري، فهو أيضا من قدر الله وحده، فكلّ شيء مكتوبٌ إذن في قدر الله، فبقدر ما يكون المرء حذرًا يقظًا منتبهًا فإن الله تعالى إن كتب له شيئا من الهلاك وقدّره له فإنه سيصيبُه، بأن لا تعمل تلك النباهة عملها في ذلك اليوم وتتخلَّف عنه، فيصيبه المكروه، أو يفوته المطلوب، فالعقل والحيلة، لا يعملان أبدا إن كتب الله شيئا في القدر.

فهذا الحذر إذن، وكما رأينا أنَّ هنالك ثلاث كلمات: القدر والحذر والتطيُّر، أمَّا القدر فهو حقّ، ومن لم يؤمن به فهو ناقض، والحذر مطلوبٌ، إذ لا يردُّنا القضاء والقدر عن أخذ الحيطة والحذر، فهو حقّ وعبادة، ولا ينافي التوكّل بل يسايره.

التحذير من التطيُّرِ:

وأمَّا التطيُّر فباطلٌ ومعصية وليس من الإيمان، والتطيّر هو توقّع العواقب السيئة لمجرَّد قرائن سيئة؛ فمثلا ينظر المرء شيئًا لا يعجبه أوَّل النهار فيقول في نفسه: يبدو أنَّ هذا

(1) أخرجه الربيع في المسند، بلفظ: «قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ»، كِتَابُ الأَشْرِبَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ، باب في الطاعون، رقم: 641، والبخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم: 5729.

٨٠ / ٢٣٢