قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٠الحديث -على قلة فقههم- في الرواية بالمعنى حيث نقل الترمذي عن محمد بن سيرين أنه قال: "كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد"!، ونقل عن سفيان الثوري أنه قال: "إن قلت لكم أنا أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى". (1).
وقد أقرّ أبو سليمان الخطابي بهذه الإشكالية حين قال: "وليس كل الرواة يراعون لفظ الحديث حتى لا يتعدوه، بل كثير منهم يحدث على المعنى، وليس كل منهم فقيه" (2).
فكيف تقبل رواية غير الفقهاء كحجة في الشرع دون عرض على قواعد الفقه الكلّية (3) المستنبطة من نصوص الكتاب العزيز، والسنة المستقرة المجتمع عليها، والثوابت العقلية والكونية والتاريخية؟!.
عودة إلى القائمة
إشكالية تعارض العقل والنقل بين الفقهاء وأهل الحديث:
من بين القضايا الأساسية التي أدت إلى انزلاق أهل الحديث إلى منحدر التعامل الجزئي مع نصوص الشريعة الغراء وصولاً إلى الأسفاف الفقهي والعقدي المتمثل في عقيدة التجسيم قضية أيهما أحق بالتقديم العقل أم النقل، الرواية أم الرأي، وأبرز من تعرض لمناقشة أهل الحديث في هذه المسألة الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" حيث توصل بعد النظر والتحليل إلى النتيجة التالية: "الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
-إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
- وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
(1) الترمذي "العلل" الملحق بكتاب "سنن الترمذي" ص1075 - 1076.
(2) البيهقي في "الأسماء والصفات"ج2ص427 باب: ما ذكر في النفس.
(3) القاعدة الفقهية هي "الكلية التي تَعَرُّفُ أحوال الجزئيات وأحكامها منها بحيث يمكن للفقيه بواسطتها الهيمنة على شتات المسائل والنوازل التي ينظر فيها بتصنيفها وترتيبها" (محمد الطاهر الميساوي في تحقيقه لكتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" لابن عاشور ص78).