قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠١

- وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذّب الظواهر العقلية، وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول (صلى الله عليه و سلم)، وظهور المعجزات على محمد (صلى الله عليه و سلم). ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل.

- ولما بطلت الأقسام الأولى لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية أما أن يقال إنها غير صحيحة، أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى.

فهذا هو القانون الكلّي المرجوع إليه في جميع المتشابهات" (1)

إلا أن ابن تيمية تعقبه، وانتصر لمذهب أهل الحديث بالقول: "إذا تعارض الشرع والعقل وجب تقديم الشرع، لأن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبره به" (2).

يرى لؤي صافي في كتابه المميز جداً "إعمال العقل" أن إشكالية تعارض العقل والنقل لم تنبع أصلاً من داخل العقل الإسلامي الذي تشكل بتأثير الخطاب القرآني، ولكنها طرأت نتيجة لتأثر الفكر الإسلامي بالفلسفة الإغريقية، ذلك أن الخطاب القرآني يستنكر العقلية الرافضة للوحي استناداً إلى مرجعية تاريخية غير عقلية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ لقمان: 31. لأن هذه العقلية منغلقة رافضة للنظر في أطروحات الخطاب المنزل وتعقل

(1) الفخر الرازي "أساس التقديس" ص220 - 221. نقله لؤي صافي في "إعمال العقل" ص81.

(2) ابن تيمية "درء تعارض العقل والنقل" ص 138.

١٠١ / ٢٦٦