قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

تأويل الآية وإخراج الاستواء من الحقيقة إلى المجاز لاستحالة حمل المعنى على الحقيقة. فحقيقة الاستواء الاستقرار على العرش والجلوس عليه، وهو محال في حق الله تبارك وتعالى، ويخلص الرازي إلى أن الاستواء يعني في سياق الآية الاستيلاء والقهر والسطرة. (1)

ويلخص لؤي صافي رؤيته للمنهج الكلّي الذي استخلصه من خلال استقراءه الدقيق لفكر الفخر الرزاي بقوله: "إن القضية التي يثيرها الرزاي هنا قضية منهج استنباط المفاهيم والأحكام من النصوص، فنراه يرفض منهج المحدّثين الذين يعتمدون الأخبار المرفوعة إلى رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ما دام سندها صحيحاً، ولا يرون حاجة في النظر إلى الاتساق الداخلي للمفاهيم والأحكام المستنبطة من أحاديث الآحاد ذات الطبيعة الظنية، ولا يبدون رغبة في التحقق من انسجام المعاني المستخرجة من الحديث وتلك المستمدة من القرآن الكريم" (2).

وهذا المنهج هو الذي سار عليه الراسخون في العلم، فقد استخرج زهران المسعودي في بحثه القيم حول الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (ت 362هـ) ومكانته الفقهية في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع" سبعة وخمسين قاعدة فقهية، وستة وسبعين ضابطاً كلياً، بالإضافة إلى القواعد والضوابط الكلّية التي لم يذكرها ابن بركة بالنص، ولكن يمكن استخراجها بالإستقراء (3)، ومنهج ابن بركة هو نفس منهج الصحابة الذين أوضحنا سابقاً ردهم للأخبار الغير متفقة مع القواعد الكلّية، وهو المنهج الذي سار عليه فقهاء التابعين وتلامذتهم كجابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع بن حبيب وعبدالله بن عبد العزيز وغيرهم من الفقهاء كأبي حنيفة وأبي ثور.

إلا أن المنهج الذي سار عليه ابن بركة والذي يمثل جوهر المدرسة الإباضية أهمل مع تقادم الزمن ولم يجد من يعتني به!، ونحن نرى أن هذا المنهج هو الحل الأمثل لأزمة الفكر الإسلامي الراهنة، فالنظرة القواعدية الكلّية تشتمل على كل الحلول الجزئية التي طرحها المفكرون الإسلاميون لمعالجة الأزمة الفكرية الإسلامية، فالقواعد الكلّية تضمن ترسيخ "مقاصد

(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص108 - 111. بتصرف.

(2) لؤي صافي "إعمال العقل" ص112.

(3) زهران المسعودي "الإمام ابن بركة ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية" الفصل الثاني ص131 - 276.

١٠٨ / ٢٦٦