قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

الشريعة" التي نظّر لها محمد عبده ومحمد الطاهر بن عاشور وغيرهم، وتضمن كذلك تمديد "دائرة الإباحة النصية"، وتقليص "دائرة الإلزام" الذي نادى إليه عبد الجواد ياسين (1)، وهي تتجاوز الإشكالات التقنية للقياس الفقهي، بالإضافة إلى عدم تجاوزها المخل للروايات الآحادية، وإنما حددت لها طرقاً في التعامل بما يضمن الإنسجام والاتساق والتناغم بين النصوص المختلفة حتى تشكل بنياناً متماسكاً محكماً يستطيع الموائمة بين النص والواقع.

وقد يدّعي البعض أن علم أصول الفقه فيه مع علم الجرح والتعديل غنية عن منهج القواعد الكلّية، إلا أن الأمر غير ذلك تماماً فعلم أصول الفقه قائم في أساسه على النظر إلى النصوص كقوالب لفظية مفككة، بينما منهج القواعد الكلّية يتعامل مع النصوص كعالم متجانس من الجزئيات التي تتآلف لتشكل البناء الكلّي الذي يقم عليه فضاء الفقه الرحب، يعّلق ابن عاشور على علم الأصول قائلاً: "معظم مسائله مختلف فيها بين النظّار، مستمر بينهم الخلاف في الأصول تبعاً للاختلاف في الفروع. وإن شئت فقل: قد استمر بينهم الخلاف في الأصول لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يدوّن إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين … على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تُؤذِن بها تلك الألفاظ، ويمكن أن تُجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة" (2).

وقال ابن عاشور نافياً درجة القطع عن علم أصول الفقه: "معظم أصول الفقه مظنونة" (3) وقال أيضاً: "وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من كتاب

(1) عبد الجواد ياسين في كتابه "السلطة في الإسلام".

(2) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص166 - 167.

(3) ابن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلامية" ص168.

١٠٩ / ٢٦٦