قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١

الإسلام ونبيه الكريم، كما أنهم كانوا قريبون جداً من الكنيسة الرومانية التي اعتمدت الهرمسية فلسفة لها، والهرمسية هي عبارة عن ردة فكرية للعقلانية اليونانية الأرسطية، أشعل أوراها المشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي خلقتها حملة الاسكندر المقدوني، مما أدى إلى تمزق العقلانية اليونانية وتناحر أتباعها، وبروز شروخ الشكاك في جدرانها، إلى أن أخذت في التهام نفسها مفرخة حالة من اللاعقلانية استغلها الفيلسوف اليهودي إفلوطين ليعيد قراءة فكر فيثاغورث اللاعقلاني ممزوجاً بالميراث الفكري اليهودي الخرافي، وكان يغذيها وقود الخرافة والعلوم الكهنوتية الفارسية القديمة كالسحر والتنجيم، وتم صب هذه العلوم الخرافية في قوالب فلسفية تمت إحاطتها بالعصمة عن طريق نسبتها إلى هرمس "المثلث بالحكمة والنبوة والملك" (1). فظهر بعد ذلك ما عرف بالفكر الهرمسي الذي اتخذ من حرّان بالشام مركزاً له، ومن هذه المدينة ظهر ابن تيمية الذي أحيا الكثير من تلك الأفكار الهرمسية كما سيأتي بيانه.

كما أن الأمويون قاموا بحركة نشطة تمثلت في ترجمة كتب ثقافات وآراء ومناهج الأمم المنحرفة، وابتدأ تلك الحركة خالد بن يزيد بن معاوية (2)، وقاموا بفتح مدارس لأبناء المسلمين كي يتعلموا تلك الكتب والمناهج، مما حدى بالسيريانيين إلى ترجمة كتب الإلهيات اليونانية وبثها بين المسلمين، وكان على رأس هؤلاء يعقوب الرهاوي الذي أفتى لرجال الدين النصارى بجواز تعليم الفلسفة لأبناء المسلمين في العهد الأموي، ولا يمكن تجاهل دور حنين بن إسحاق وابنه إسحاق وابن أخته حبيش في تلك الترجمة في العهد العباسي (3).

واستطاع اليهود –خاصة في العهد الأموي- أن يبثوا الكثير من أفكار بني إسرائيل بين المسلمين، فلهذا اصطلح العلماء والمحققون على تسمية رواياتهم وأخبارهم "الإسرائيليات" وذلك تميزاً لها عن غيرها، لكثرتها وخطورة محتواها، وعلى رأس هؤلاء كعب الأحبار من علماء يهود حمير باليمن، والذي أسلم في عهد عمر بن الخطاب. انبهر بعض الصحابة فصاروا

(1) البعض يرى أن هرمس هو إله يوناني، وآخرون يرون أنه الإله الفرعوني "طوط"، وفلاسفة العرب يرون أنه النبي إدريس عليه السلام، ولمعرفة المزيد عن الهرمسية، راجع "تكوين العقل العربي" لمحمد عابد الجابري، الفصلين الثامن والتاسع.

(2) ابن النديم "الفهرست" ص300، طبع دار المعرفة، بيروت، ط2 سنة 1417هـ

(3) أحمد أمين "فجر الإسلام" ص132.

١١ / ٢٦٦