قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١١5 - عرض نصوص السنة على القواعد المصاغة في الخطوة السابقة للنظر في تأثيرها على هذه القواعد من حيث تخصيص عامها، أو بيان مجملها أو تقييد مطلقها.
6 - اعتماد القواعد القياسية المتحصلة لفهم الواقع المدروس، أو توجيهه والحكم عليه، وهو ما يعرف في علم الأصول بتحقيق المناط. (1)
وفي هذا الإطار يمكن لنا نتفهم عدم اهتمام كثير من أئمة الفقه لعلوم الجرح والتعديل ومرويات أهل الحديث، فأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وحين سئل أبا عبيدة عن الشخص الذي لا يحفظ الروايات هل يستطيع تدريس العلم؟ قال: "سبحان الله، أكلّ الناس يحفظون الحديث؟ بل يؤخذ العلم عن الثقات، وإن كانوا لا يعلمون حديثاً واحداً" (2)
الاجتهاد والتقليد عند أهل الحديث:
إن الهروب من إعمال العقل في النصوص هو أساس البنية الفكرية لمدرسة أهل الحديث، وهذه القاعدة يلخصها الحسن بن علي البربهاري (ت 329هـ) في دعوته لأتباعه وقوله لهم: "فالله الله في نفسك وعليك بالأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو التقليد". (3)
فالدين عند أتباع هذه المدرسة هو التقليد، أما إعمال العقل في آيات الله الكونية والتعامل مع القرآن الكريم بتدبر وتمعن كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ ص: 29 فهو مغيب عندهم. وفي كلام البربهاري مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي اعتبر التقليد الأعمى دون وعي وتعقل من صفات أتباع الملل المنحرفة {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص195 - 196.
(2) عمرو النامي "دراسات عن الإباضية" ص127.
(3) حسن البربهاري "شرح السنة" ص 118.