قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٢مُّقْتَدُونَ} الزخرف23، والذي حذر من مغبة التقليد الأعمى بقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ البقرة: 166.
بل قد وصل الأمر بالبربهاري إلى رفض عرض أقوال أئمته على كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت42، فهو يقول: "وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا يُشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة" (1). ودعوة البربهاري هي اجترار لأصداء تجاوزتها عجلة المد الإيماني الذي بدد ظلام الجاهلية، فهي تجسد من وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ المائدة: 104، بينما القرآن العظيم يدعو أتباعه إلى التفكر والنظر واتباع أقرب الأقوال إلى الحق ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ الزمر: 18.
ولا تعارض بين دعوة البربهاري لتقليد الأثر وبين رفض أهل الحديث عدم اتباع الفقهاء ومنهجهم القائم على القواعد الكلّية، ذلك أن أهل الحديث يرون في أطنان الروايات الآحادية التي مخازنهم كفيلة بتغطية جميع الاحتياجات الفقهية والعقدية، فهم لا يبالبون بالتفاوت الزماني والمكاني بين لحظة النص في تلك الروايات وبين الواقع الذي يستلزم الحكمة في إنزال النص عليه.
وظن كثير من المفكرين أن دعوة أهل الحديث التي ظهرت حديثاً تحت مسمى "السلفية" هي دعوة للإجتهاد من خلال التعامل المباشر مع النصوص، إلا أن هؤلاء سرعان ما
(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص113.