قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٣سيكتشفون خطأ تصورهم حين يدركون أن الإجتهاد عند أهل الحديث يقصد به التقيد الحرفي بالتراث الروائي!.
وابن القيم الجوزية يؤكد على حقيقة تقديم أهل الحديث للروايات الضعيفة الواهية على الإجتهاد القائم على محاكمة الجزئي "الروايات الآحادية" بالكلّي "نصوص الكتاب والسنة المجتمع عليها ودلائل العقل القطعية"، حيث يروي ابن القيم عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: "سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي. فسألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة. فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي". (1)
ونتيجة لهذه العقلية السطحية التي تعامل بها أهل الحديث، صار بسطاءهم أرضاً خصبة تنبت فيها عقائد أهل الملل المنحرفة، خاصة إنهم وجدوا ما يتكئون عليه من آيات متشابهات في القرآن الكريم تعجز مداركهم العقلية عن تدبر معانيها وتأويل ما فيها، وتجاوزا ذلك إلى تعليب الروايات المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) للانتصار لعقائد الأمم المجسمة. يقول ابن الجوزي: "واعلم أن عموم المحدّثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه وتعالى على مقتضى الحسن فشبهوا، لأنهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم". (2)
قدسية القرون الثلاثة الأولى:
لا يخفى على الباحث أن أهل الحديث ينزعون إلى تقديس أقوال وآثار أصحاب القرون الثلاثة الأولى فهم حسب تعبيرهم: "كانوا أعلم بلغة القرآن ومراميه، وأدقّ في محكمه ومتشابهه، وأعرف بالفرق بين الحق والباطل، وأعظم محبة للحق الذي أرسل به محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأصبر على متابعة الحق واحتمال الأذى، وكانوا يرون في الحجج العقلية المنتزعة من الكتاب والسنة غناءً تاماً عن الطريق القياسية الكلامية، ولم يصدر عنهم ذم جنس الكلام، ولا ذم
(1) ابن القيم الجوزية "أعلام الموقعين" ج1ص76 - 77.
(2) ابن الجوزي "تلبيس إبليس" ص159 - 160.