قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٤

الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، أو الاستدلال بما بينه الله ورسوله، ولا ذم كلام هو حق، وإنما صدر عنهم ذم الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة، والمخالف للعقل أيضاً، فهم أهل نظر ودراية بجانب كونهم علماء أثر ورواية". (1)

فاستغل غلاتهم هذه القدسية المزعومة للسلف للتشنيع والشغب وتأليب الأتباع من العوام على المخالفين عن طريق وصفهم بمعاداة السلف، ومن ذلك قول ابن تيمية في مخالفيه "التزموا لذلك تجهيل السلف، وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل، ولم تكن الحقائق من شأنهم" (2).

إن من بين أهم المشاكل التي تعتري منهج أهل الحديث تكمن في النظرة إلى النص الخالص –القرآن والسنة- كبناء من الألفاظ والجمل والتراكيب البيانية، مما يترتب عليه اعتبار أهل القرون الثلاثة الأولى هم الأعلم بالشريعة لاستطاعتهم بملكتهم اللسانية استفادة المعاني والأحكام، أما رؤية النص باعتباره عالماً واسعاً من الأحكام والنظم والمقاصد والهياكل التي يشيد عليها بنيان الفقه حسب الظروف الزمانية والمكانية فهي مغيبة، لأنها تستلزم إلى جانب الآلة اللغوية التي يعتمد عليها منهج المحدّثين استخدام أدوات تفكيرية وعقلية لم ينفرد بها أصحاب القرون الثلاثة، بل شاركهم فيها غيرهم، بل أننا نسطتيع القول إن أصحاب القرون المتأخرة لهم خلفية ثقافية ومعارف علمية أكبر من أولئك الذين عاشوا في القرون الأولى والذين انحصرت معارفهم في مفردات بيئتهم البسيطة.

وحين أدرك أهل الحديث أن نظرتهم للنص المنحصرة في بنائه اللفظي ستؤدي إلى محدوديته حيال الزمن المتغير، قاموا بعلمية توسيع هائلة لدائرة النص، فحشروا فيها أقوال وآراء علمائهم التي جعلوها موازية للنص الخالص –القرآن والسنة-، ثم قاموا بعملية تحصين لتلك الآراء عن طريق التنصيص على خيرية أصحابها على بقية الأمة!. وبذلك أصبح النص عندهم شاملاً للقرآن والسنة وآراء أئمتهم من أهل تلك القرون.

(1) عبد الله عبد المحسن التركي، وشعيب الأرنؤوط في تقديمهما لكتاب "شرح العقيدة الطحاوية" ج1ص10.

(2) محمد الموصلي "مختصر الصواعق المرسلة" ج1ص36 - 37.

١١٤ / ٢٦٦