قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٥والرواية التي تم تعليبها للانتصار لأهل القرون الثلاثة الأولى هي ما نسب إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثاً، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" (1). ويلاحظ على هذه الرواية بالإضافة إلى كونها تتحدث عن الغيب (2)، أنها تعتمد البعد الزمني كميزان للمفاضلة بين البشر، وليس للإنسان في هذا البعد قدرة ولا اختيار، فما ذنب الذين ولدوا في القرون المتأخرة أن لا تنالهم هذه الخيرية المزعومة، وهذا الميزان الزماني للمفاضلة بين البشر مخالف للنصوص القطعية من الكتاب العزيز، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات13، فمقياس الخيرية عند الله تعالى هو التقوى، ولا قيمة للبعد الزماني ولا المكاني في الإسلام.
ومن دلائل مخالفتها للقرآن الكريم معارضتها لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ آل عمران110، والخطاب لكل الصالحين من الأمة في كل زمان ومكان إن تحقق فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وليس في الآية تخصيص لفترة زمنية كما تفترضه الرواية السابقة!.
إن هذه الرواية ومثيلاتها بجانب وصفها للإسلام بالإقليمية الزمانية والمكانية، وبجانب سحقها لروح التنافس في فعل الخيرات، وبجانب بثها لروح الهزيمة والوهن في أفراد الأمة، هي أيضاً مخالفة للثوابت التاريخية التي تؤكد على أن أصحاب القرون الثلاثة الأولى ليسوا بأفضل
(1) البخاري 3650 و3651 ومسلم [6469] 210 - (2533).
(2) الغيب لا يمكن القطع فيه إلا بالدليل القطعي الثبوت والقطعي الدلالة، كنصوص القرآن الكريم الصريحة أو السنة المتواترة الصحيحة المجتمع عليها، وهذه الرواية لو صحت لا تعدو أن تكون آحادية ظنية الثبوت. وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها لمسروق: "ومن حدثك أنه –أي النبي (صلى الله عليه و سلم) - يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ لقمان: 34" البخاري 4855.