قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٦

حالاً ممن جاء بعدهم، ففي عهد بني أمية الذين بدأ عهدهم في القرن الأول الهجري، بدأ الاستبداد السياسي، وترسخت فيه الديكتاتورية المقيتة، وابتدع الانتقال العمودي للسلطة كما هو الحال عند الأكاسرة والقياصرة، وحدثت في عهدهم المذابح المختلفة حيث قتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (1)، وقتل أحفاد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) الحسن الذي مات مسموماً (2)، والحسين الذي قتلته قوات يزيد بن معاوية (3). ثم تلى ذلك عهد بني العباس الذين قاموا بجرائم القتل الجماعية ضد الأمويين، وانتشر في عهدهم الفساد الإداري، وتفشى الخلل الاجتماعي وظهر المجون واللهو والعبثية وتعطيل حدود الله، كما ظهرت المذاهب الفقهية والكلامية التي ما زالت تتناحر إلى اليوم.

ونحن إذا رجعنا إلى الرواية التي احتج بها أهل الحديث ونظرنا إلى كلمة "قرن" التي اصطلح المحدّثون على أنها تعني "مائة عامة"، وحاولنا استقراء النصوص اللغوية القريبة من عهد النبوة -وأصدق هذه النصوص هو ما جاء في القرآن الكريم- لتأكد من صحة هذا الإصطلاح، سنجد أن كلمة "قرن" وردت في سبعة مواضع من الكتاب العزيز وهي:

{

أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} الأنعام: 6، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ مريم:74، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ

(1) هناك روايات تشير إلى تدبير معاوية قتل علي عن طريق الأشعث بن قيس الذي استخدم عبد الرحمن بن ملجم لهذا الغرض (راجع ابن سعد "الطبقات" ج3ص37، البلاذري "الأنساب" ج3ص254) والأشعث كان متهما بأنه عميل لمعاوية (راجع احمد معروف "قراءة جديدة في مواقف الخوارج" ص59، وص71، ولمزيد من التفاصيل (راجع ناصر السابعي "الخوارج والحقيقة الغائبة" ص163 - 174). والأشعث بن قيس ارتد عن الإسلام أيام أبي بكر (الطبري" التاريخ" ج2ص30 - 304)، وقد ندم أبو بكر على عدم قتله وقال فيه "وددت يوم أتيت بالأشعث بن قيس أن ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي انه لا يرى شراً إلا سعى فيه وأعان عليه" (البلاذري "فتوح البلدان" ص112).

(2) دست له السم زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس (ابن حجر العسقلاني "التهذيب" ج23ص274، رقم1331).

(3) الطبري "التاريخ" ج2ص305.

١١٦ / ٢٦٦