قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٧لَهُمْ رِكْزًا} مريم: 98، ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ المؤمنون:31، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ ص: 3، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ ق:36.
والقرن في جميع هذه المواضع يعني "الأمة"، ومعنى ذلك أن "القرن" بمعنى "مئة عام" كما تفترضه الرواية لم يكن معهوداً عند العرب في عهد التنزيل مما يثير الشكوك حول اختلاقها في وقت متأخر. ويؤكد هذا الافتراض تفسير الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 172هـ) لمعنى "القرن" قائلاً: "القَرْنُ: الأمة. وقَرْنُ بعد قَرْنٍ، ويقال: عُمْرُ كل قرنٍ ستون سنة" (1)، فهو قد أثبت أن القرن يعني الأمة، وذكر بصيغة التمريض "يقال" أن القرن قد يراد به ستون عاماً!. فإذا علمنا أن "القرن" في لغة العرب على عصر الرسول (صلى الله عليه و سلم) تعني "الأمة" ستكون دلالة الرواية كالتالي: "خير أمتي أمتي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد أمته أمتين، أو ثلاثاً، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن". وهذا التركيب البالغ الركاكة لا يمكن توهم صدوره من مشكاة النبوة، وهو يشير فعلاً إلى إحتمال كون الرواية مختلقة في عصور متأخرة.
وقد ذكر ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري ما يوافق تحليلنا السابق حيث قال: "والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل" (2). ثم ذكر ابن حجر المعنى الذي وصل إليه المحدّثون وكيف اضطربوا في معناه فقال: "ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو
(1) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج3ص1468.
(2) ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ج7ص351.