قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٨

المشهور، وقال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد وثبتت المائة في حديث عبد الله بن بسر وهي ما عند أكثر أهل العراق، ولم يذكر صاحب "المحكم" الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين ثم قال: هذا هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن، وهذا أعدل الأقوال وبه صرح ابن الأعرابي". (1)

فالاضطراب نشأ من محاولة التلفيق بين الروايات المختلفة للوصول إلى حل للإشكال الذي افتعلته الرواية المزعومة، ولم يعول المحدّثون على مرجعية القرآن الكريم لاستجلاء حقيقة هذا المصطلح، وليس هذا بمستغرب عليهم، فهم يتعاملون مع النصوص بصورة مفككة مسلوخة من إطارها الكلّي، تجعلهم يقعون في التخبط والتناقض والاضطراب.

وأهل الحديث أنفسهم يروون عن أبي هريرة قوله: "سمعت الصادق المصدوق يقول: هلكة أمتي على أيدي غلمة من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمة، فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت. فكنت –الرواي سعيد بن عمرو- أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا بالشام فإذا رآهم غلماناً أحداثاً قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم" (2). فهذه الراوية تناقض الراوية السابقة لأنها تقول إن هلاك الأمة سيكون على أيدي الأمويين أي في القرن الأول الذي يفترض فيه القدسية والخيرية المطلقة حسب رواية أهل الحديث.

وأهل الحديث مع تجاهلهم لنصوص القرآن الكريم والحقائق التاريخية التي تثبت بطلان رواية القرون الثلاثة رفضوا كذلك بعض المرويات التي تعارض تلك الرواية، ومنها رواية "مثلُ أمتي مِثلُ المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" (3). وهذه الرواية أقرب لمنهج كتاب الله وأصح من حيث موافقتها للقواعد العامة للشريعة الإسلامية التي تعتبر التقوى –الإيمان والعمل- هو مقياس الخيرية وميزان المفاضلة بين الناس.

(1) ابن حجر العسقلاني نفس المصدر.

(2) البخاري 7058.

(3) قال ابن حجر موثقاً لهذه الرواية كما في "فتح الباري" ج7ص351.: (وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة … عند الترمذي بإسناد أقوى منه من حديث أنس، وصححه ابن حبان من حديث عمار"اهـ ..

١١٨ / ٢٦٦