قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٩

رواية أخرى تجاهلتها عقلية أهل الحديث هي ما نسب إلى أبي عبيدة أنه قال: "يا رسول الله، أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك!. قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" (1). ورواية أخرى رواها الربيع بن حبيب من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير أمتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة" (2). وهذه الروايات وإن كانت متوافقة في المعنى مع عموم الخيرية لأمة محمد (صلى الله عليه و سلم) أولها وآخرها إلا أنه لا يمكن تلقيها على إطلاقها، ففضل الصحابة وجهادهم بأموالهم وأنفسهم وتضحياتهم الجسام في سبيل نشر هذا الدين لا يمكن إنكاره، ونستطيع القول من خلال استقراء نصوص القرآن الكريم أن الصحابة في عمومهم كانوا أفضل الأمة إيماناً وبذلاً وتضحيةً، والمنصف لا يمكن أن يغمط تاريخهم المشرّف المرصع بالجهاد والتضحية بالغالي والنفيس.

ونحن وإن كنا نقرّ بأن المهاجرين الأولين ومن اتبعهم بإحسان من الصحابة هم خير الأمة ديناً وخلقاً وبذلاً وجهاداً، إلا أننا لا ننساق وراء العواطف كما فعل المحدّثون، فنحن لا نقول بأن الصحابة هم أعلم الناس بعد الأنبياء كما قال أهل الحديث الذين يروون في الجانب المقابل أن الصحابة كانوا ضعفاء في حفظ الكتاب العزيز، حيث لم يحفظه منهم كاملاً إلا أربعة (3)!.

فالصحابة كغيرهم من البشر تتفاوت قدراتهم العقلية، ففيهم العالم وفيهم الأقل علماً، وفيهم الذكي وفيهم الأقل ذكاءاً، فوجود مثل عمر وعلي وابن عباس لا ينفي وجود مثل من

(1) قال ابن حجر موثقاً للرواية كما "فتح الباري" ج7ص351 "روى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: وإسناده حسن وقد صححه الحاكم"اهـ.

(2) الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب برقم 38.

(3) يروي أهل الحديث عن أنس بن مالك أنه قال: "ما جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) إلا أربعة كلهم من الأنصار" البخاري3810، و3996، و5003، و5004، ومسلم [6340] 119 - (2465)، 120 - (2465). وهذا الحديث يخلق إشكالا كبيراً يتعارض مع حقيقة تواتر القرآن من صدور الصحابة إلى من بعدهم، ويفتح أبواباً للطعن في الكتاب العزيز وقطعية ثبوته، فهو كلام مرفوض جملةً وتفصيلاً، وفي عصرنا هذا عشرات الأطفال من العرب والعجم يحفظون القرآن الكريم بأكمله فكيف بالصحابة وأطفال الصحابة؟!.

١١٩ / ٢٦٦