قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

وانجرف أهل الحديث نحو دعاية أبي شاكر الديصاني فقال أحمد بن حنبل أن القرآن هو: "كلام الله، قديم غير مخلوق" (1). ولما سئل عمن قال أن الله عز وجل لم يتكلم بصوت، قال: بلى يتكلم سبحانه بصوت (2). ونسبوا إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) القول: "إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان" (3). ووصل بهم التعصب إلى تكفير مخالفيهم، فحين سئل ابن حنبل عمن قال: "القرآن مخلوق". قال: "كَفر" (4). كما أنه وصف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق بالكفر (5)، وكان هذا سبب محنة البخاري كما بيناه سابقاً.

في عام 197هـ هاجم المأمون أخيه الأمين في بغداد وضرب أهلها بالمنجنيق وأحرق بيوتها بالنفط، فقُتل الأمين في محرم عام 198هـ، وقام الجنود بقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق، ولما رأى الناس أن الوالي لا يمنعهم تقدم بعض أهل الحديث للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة جنود الوالي، وتصادف ذلك مع وصية المأمون لعلي بن موسى بن جعفر من أحفاد علي بن أبي طالب، فرفض قسم كبير من أهل بغداد هذه الوصية وأعلنوا خلعهم للمأمون ومبايعة إبراهيم بن المهدي العباسي (6)، وكما يحدث دائماً، فإن المعارضة للدولة ورجالها لا تتمكن في نفوس الناس إلا إذا ارتبطت برموز ونماذج وشعارات تعيّن "البديل"، وإذا كانت الشيعة قد اتخذت فكرة "المهدي المنتظر" رمزاً ربطت به أتباعها، فإن قسماً كبيراً من أهل الحديث قد ظل على ارتباط عاطفي بالأمويين، فظهرت فكرة "السفياني" (7). ولكن بسبب خيانة الجند هرب إبراهيم وبايع الجند للمأمون، ودخل المأمون بغداد عام 204هـ.، وحين استتبت الأمور للمأمون بدأ بتتبع أهل الحديث بعد أن

(1) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص156.

(2) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص372.

(3) عبد الله بن أحمد "السنة" ص281، والدارمي "نقض عثمان بن سعيد" ص31.

(4) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص74.

(5) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص113.

(6) تاريخ الطبري أحداث عام 197هـ وما بعد. المجلد الخامس ص74 وما بعد.

(7) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص94، بتصرف.

١٢٣ / ٢٦٦