قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٤أدرك خطورة اتساع نفوذهم السياسي بين العامة، بالإضافة إلى دورهم الهام في تقوية الأمويين خصوم أسرته التقليدين.
عمد المأمون إلى قضية خلق القرآن ليجعلها السبب الظاهر في محاربته لأئمة أهل الحديث فيما عرف بمحنة "خلق القرآن"، ولم تنته القضية بوفاة المأمون، وذلك دليل قاطع على أن المسألة لم تكن مسألة قناعات فكرية دينية أراد المأمون فرضها، ولا قضية التحريض الذي يقال أن المعتزلة مارسوه على المأمون بعد أن استمالوه إليهم لفرض مذهبهم الذي من جملة مسائله الفرعية مسألة "خلق القرآن" كلا. إن القضية كانت قضية الدولة ككل، وبعبارة عصرنا: قضية "أمن الدولة"، يتجلى ذلك واضحاً من الأهمية القصوى التي أعطاها المأمون لهذه المسألة في وصيته، وهو على فراش الموت، إلى أخيه وخلفه المعتصم الذي لم يكن من أهل العلم كالمأمون، وإنما كان عسكري الميول والطبع، فامتحن الناس بـ "خلق القرآن" أكثر مما فعل المأمون. لما توفي المعتصم سنة 227هـ وتولى الخلافة بعده الواثق، سار هذا الأخير على ما كان عليه المأمون والمعتصم من امتحان أهل الحديث في القول بـ "خلق القرآن".
إن المسألة إذن أعظم من مجرد التصريح أو عدم التصريح بـ "خلق القرآن"، المسألة تكمن فيما سكتت عنه المصادر التاريخية من أسباب حقيقية للفتنة وهو "الشغب" على الخليفة ومحاولة "الخروج عليه" والثورة ضده وانتزاع السلطة منه كما فعل أحمد بن نصر الخزاعي في عهد الواثق.
ولما لم يكن المأمون ولا المعتصم ولا الواثق ولا رجال دولتهم يرغبون ولا كان في مصلحتهم التصريح بأن الأمر يتعلق بتهديد "أمن الدولة" تماماً مثلما أنه لم يكن الذين تعرضوا للامتحان يرغبون ولا كان في مصلحتهم التصريح بأن الهدف من معارضتم القول بـ "خلق القرآن"، هو تعبئة الناس ضدها. وهكذا بقي الصراع يجري على سطح القضية بتوظيف مسألة دينية لغرض سياسي!.
أما قضية دور المعتزلة في "المحنة" فقد تعرضت لنوع من التواطؤ التاريخي الغريب، فبسبب رغبة الدولة وأهل الحديث تحويل معركتهم السياسية إلى صراع ديني، وبسبب رغبة أهل الحديث تصوير اضطهاد الدولة لهم سببه ديني بحت، وجه أهل الحديث أصابع الاتهام