قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٥إلى المعتزلة وأنهم هم الذين زينوا للمأمون القول بـ "خلق القرآن"، وأن رجال المعتزلة الذين استوزروا للمأمون والمعتصم والواثق هم المدبرون للمحنة والمشرفين على تنفيذها (1).
أما صورة ابن حنبل بعد انتهاء هذه المحنة فقد بقيت حاضرة وما تزال في قلب "الصراع" في ذاكرة أهل الحديث، ليس لأنه كان متشدداً في الدين، فكم من المتشددين مات ذكرهم بمجرد وفاتهم بل لأنه كان الشخصية التي واجهت السلطة وصمدت في وجهها، إنه وإن لم يكن –بالنسبة لأهل الحديث- البطل الوحيد في محنة "خلق القرآن" التي اختلطت فيها السياسية بالدين إلا أنه بقي حياً يرزق ليجسد بمواقفه "بطل المحنة" إلى أن مات (2). وهذا هو سر اعتبار أهل الحديث أحمد بن حنبل إمامهم الأول، فهو بالنسبة لهم نموذج التحدي والثبات على المواقف.
تضخيم الرجال:
تضخيم الرجال، وتقديس آرائهم واجتهاداتهم، ورفعها إلى درجة النصوص القرآنية ونصوص السنة النبوية التي لا تقبل المعارضة، فلو رجعت إلى ما كتبه غلاة أهل الحديث حول مسألة خلق القرآن مثلاً لوجدتهم يقيسون أقوال العلماء بأقوال أحمد بن حنبل، وصاروا يحتكمون إلى مواقفه، وكل فريق منهم يدّعي أنه الموافق لتلك الأقوال!.
والغريب أن أئمة الحديث كالبخاري ويحيى بن معين لم يسلموا من تقديس غلاة هذه المدرسة لأقوال أحمد بن حنبل!، فنتيجة لاختلافات هؤلاء الجزئية مع تيار التجسيم في مدرسة أهل الحديث تمت محاصرتهم وفتنتهم. يقول ابن القيم: "فخفى تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث، ولم يفهم بعضهم مراده، وتعلقوا بالمنقول عن الإمام أحمد نقلاً مستفيضاً أنه قال: (من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق. فهو
(1) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص79 - 91. بتصرف.
(2) محمد عابد الجابري "المثقفون في الحضارة العربية" ص11 - 112 بتصرف.