قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٦مبتدع) … وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد وإنكاره على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وأنه جهمي، فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين أهل الحديث" (1).
إن لأحمد بن حنبل عند هؤلاء جاذبية فريدة، فلهذا تجدهم ينسبون إليه الأقوال والعقائد من أجل الانتصار بها على خصومهم، كأنه نبي معصوم!، وقد أُلّفت في أقواله وفضائله وعقائده الكثير من الكتب. يقول عبد الرحمن بن محمد العاصمي: "وكان أبو عبد الله الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلة، وأوسعهم معرفة بحديث رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، وأتبعهم له وأكثرهم تتبعاً لمذاهب الصحابة والتابعين، وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه، ومذهبه مؤيد بالأدلة" (2).
إن هذه العبارات البسيطة التي يخطها العاصمي تفتح لنا نافذة على مدى تعظيم هؤلاء لأحمد بن حنبل، فلا غرو إذن أن نرى أسنة هؤلاء قد أشرعت في وجه مخالفي منهج أحمد بن حنبل، ويكفي أن ترجع إلى كتاب "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي الذي جمع فيه الروايات التي وضعها هؤلاء في فضل أحمد بن حنبل، من ذلك أن النبي إلياس (عليه السلام)، والملك الموكل بجزائر البحار يبعثان له السلام مع البحّارة (3)، والنظرة منه تعدل عبادة سنة (4)، وأنه يرى الشيطان ويكلمه (5)، ويأمر النمل بالخروج من داره فيخرج (6)، والنخلة تحمل حين يضع فيها قلمه (7)، وأنه رأى الله في المنام (8).
وليس الأمر مقتصراً على أحمد بن حنبل وحده، فهناك أحمد بن تيمية الذي يُعد من أهم المنظرين لمدرسة أهل الحديث، والمفارقة العجيبة تكمن في كون أحمد بن تيمية قد عاش
(1) نقله عنه محمد الموصلي في "مختصر الصواعق المرسلة" ج2ص661 - 662.
(2) عبد الرحمن بن محمد العاصمي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص11.
(3) ابن الجوزي "مناقب الإمام أحمد بن حنبل" ص190 - 191.
(4) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص202.
(5) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص245.
(6) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص397.
(7) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص398.
(8) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص583.