قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٧محنة شبيهة بمحنة أحمد بن حنبل التي عرّكته ليحمل لواء إمامة أهل الحديث، حيث تم سجن ابن تيمية من قبل السلطة التي كانت تتبنى العقيدة الأشعرية، وحاولت السلطة إجباره على التنازل عن فتاواه وعقيدته، لكنه رفض الرضوخ للسلطة مستلهماً موقف إمامه ابن حنبل، فقضى ابن تيمية في السجن ليخلّد ذكراه عند اتباعه كنموذج آخر من نماذج الصمود والتحدي في وجه طغيان السلطة.
يلخص لنا العاصمي مركزه من مدرسة أهل الحديث بقوله "إلى أن أقام الله تعالى العالم الرباني مفتي الأمة بحر العلوم شيخ الإسلام (أحمد بن تيمية) المجتهد المطلق، المجمع على فضله وإمامته، الذي جمع العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد، جدد الله به الدين بعد دروسه، وأحيا به هدي سيد المرسلين بعد أفول شمسه، وادحض به جميع بدع المبتدعين، وانبلج الحق اليقين" (1). وهذه الهالة من العظمة التي يضفيها العاصمي على ابن تيمية تفوق حدود الشرع، حيث وصفه بالإحاطة بالعلوم كلها!، والله تعالى يقول ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الإسراء: 85.
بينما يرى مخالفي غلاة أهل الحديث في ابن تيمية عكس ذلك حيث يلخص زاهد الكوثري مدى الأثر الهائل الذي شكله بروز ابن تيمية على الساحة الفكرية في الشام بالقول "وكاد أن لا يبقى بينهم حشوي لولا جالية حران بعد نكبة بغداد حطوا رحلهم بالشام، ونبغ من بينهم رجل حسنت نشأته في الطلب على ذكائه وحافظة وسمت، وتمكن من اجتلاب ثقة شيوخ العلم إلى نفسه وثنائهم عليه، وكان واعظاً طلق اللسان، فإذا هو يجري على خطة مدبرة في إحلال المذهب الحشوي تحت ستار مذهب السلف" (2).
(1) عبد الرحمن بن محمد العاصمي "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص12.
(2) زاهد الكوثري في مقدمة كتاب "تبيين كذب المفتري" ص17.