قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

التحذير من كتب المدارس الأخرى:

اعتمدت سياسية منظري أهل الحديث على بناء إخطبوط إعلامي هائل يفرض على أتباعه دراسة مناهج هذه المدرسة وحدها دون غيرها من المدارس الفكرية كالإباضية والأشعرية والإعتزال بل وحتى مدرسة الرأي الحنفية، مما كان له أبلغ الأثر في ترسيخ أفكار هذه المدرسة لدى أتباعها، وتحصينهم من أفكار المدارس الإسلامية الأخرى.

وقد وصلت الجرأة بغلاتهم إلى أمر أتباعهم بالتصديق والإيمان بكل ما يقررونه لهم وكأنه وحي منزل، ومن هؤلاء حسن البربهاري الذي قال: "وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى لما في هذا الكتاب … فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين وقد رده كله، كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر" (1).

وكلام البربهاري الذي يصف كتابه بالعصمة والذي يضاهئ فيه قول الله تعالى في وصفه لكتابه العزيز ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فصلت: 42، ينطلق من مسلمات فكرية عند أهل الحديث تقوم على تقديس كلام البشر واعتبار الروايات الآحادية بمنزلة القرآن الكريم في قطعية ثبوتها وحجيتها!.

ويقول البربهاري أيضاً: "من أقرّ بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماماً، ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفاً واحداً، فهو صاحب سنة وجماعة، كامل قد كملت فيه السنة، ومن جحد حرفاً مما في هذا الكتاب، أو شك أو وقف، فهو صاحب هوى" (2). وما في هذا كلام البربهاري من مجازفة لتكفير عباد الله، وتوزيع صكوك الانتساب إلى "السنة والجماعة" على غلاة أهل الحديث الذين يعتقدون عصمة البربهاري كاف لبيان تهافته وبطلانه.

والناظر في كتب غلاة أهل الحديث العقدية ككتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد بن حنبل، وكتاب "السنة" للخلال، وكتاب "الإيمان" لابن مندة، وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة،

(1) حسن البربهاري "شرح السنة" ص100.

(2) حسن البربهاري "شرح السنة" ص125.

١٢٨ / ٢٦٦