قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٩وكتاب "الإبانة" لابن بطة، وكتاب "العظمة" لأبي الشيخ، وكتاب "العلو" للذهبي يجدها مليئة بتلك النوعية الرديئة من الأقوال والروايات التي لو أعملت فيها الموازيين التقليدية للجرح والتعديل التي يشهرها هؤلاء كالسيف في وجه معارضيهم، والتي تمثل كل بضاعتهم في التعامل مع الروايات المنسوبة إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) لكانت كفيلة برد معظمها.
وفي نفس الوقت الذي يحيطون فيه كتبهم بسياج العصمة والقداسة تجدهم يحقّرون علماء المذاهب الأخرى، وذلك من أجل صد اتباعهم عن مطالعة فكر المخالفين، يقول ابن تيمية: "ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه، ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة؛ والأشعرية مخانيث المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول: المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث" (1). مع العلم بأن الأشاعرة يمثلون غالبية الأمة الإسلامية باعتراف أحد أتباع ابن تيمية!، حيث يقول عبد الرحمن أبا بطين: "إذا عرفت مذاهب الفرق المسؤول عنها فأعلم: أن أكثر أهل الأمصار اليوم أشعرية" (2).
ولا يُظَن أن هذا الإسفاف الخلقي الذي لا يليق بعامّي فضلاً عن أن يصدر من عالم كابن تيمية يعد فلتة لسان، بل هو منهج التزمه في كثير من مؤلفاته، وقد تكرر في أكثر من مناسبة في كتابه "مجموع الفتاوى"، وهو يتكرر أيضاً عند أتباعه، يقول ابن القيم: "أفيظن أفراخ المعتزلة ومخانيث الجهمية ومقلدو اليونان أن يضعوا لواء رفعه الله" (3)، ويقول أيضاً:
هذا كما قال الخبيث لصحبه … كلب الروافض أخبث الحيوان (4)
وهو الذي أنشأ الخوارج مثل … انشاء الروافض أخبث الحيوان (5)
ليسوا مخانيث الوجود فلا إلى … الكفران ينحازوا ولا الإيمان (6)
ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم … لم تنفتح منكم لهمم عينان
(1) ابن تيمية "الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز" المطبوعة في "مجموع الفتاوى" ج6 ص359.
(2) عبد الرحمن أبا بطين"الدرر السنية في الأجوبة النجدية" ج1ص219.
(3) ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص298.
(4) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص245.
(5) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج1ص287.
(6) محمد خليل هراس "شرح القصيدة النونية" ج2ص47.