قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣١بل أن جرعات التطعيم ضد الفكر المخالف لأهل الحديث وصلت إلى حد تفضيل الفسقة واليهود والنصارى على أتباع المدارس الأخرى، فها هو أحمد بن حنبل يقول: "قبور أهل السنة من الفسّاق روضة من رياض الجنة، وقبور أهل البدعة من الزهاد حفرة من حفر النار" (1). ويقول أرطأة بن المنذر: "لأن يكون ابني فاسقاً من الفساق أحب إليّ من أن يكون صاحب هوى". (2)
وها هو البربهاري يقول: "وإذا رأيت الرجل من أهل السنة رديء الطريق والمذهب فاسقاً فاجراً، صاحب معاصي ضالاً وهو على السنة، فاصحبه واجلس معه فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهداً في العبادة متقشفاً محترقاً بالعبادة صاحب بدعة فلا تجالسه ولا تقعد معه ولا تسمع كلامه" (3)، وقال أيضاً: "لا تجلس مع صاحب بدعة فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة" (4)، وقال أيضاً: "آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع، وأحب أن أكون بيني وبين صاحب بدعة حصن من حديد" (5).
بل قد وصل الأمر بالبربهاري إلى دعوة أصحابه إلى استخدام العنف والإرهاب ضد مخالفيهم، حيث يقول: "إذا علم الله من الرجل أنه مبغض لصاحب بدعة غفر له وإن قل عمله، ولا يكن صاحب سنة يماليء صاحب بدعة إلا نفاقاً، ومن أعرض بوجهه عن صاحب بدعة ملأ الله قلبه إيماناً، ومن انتهر صاحب بدعة آمنه الله يوم الفزع الأكبر، ومن أهان صاحب بدعة رفعه الله في الجنة مائة درجة" (6).
ولم تكن هذه الدعوات شنشات فارغة بل كان لها أصداء واسعة عند أتباع أهل الحديث، ومن ذلك ما حدثنا به التاريخ أن أهل الحديث ببغداد سألوا ابن جرير الطبري
(1) ابن الجوزي "مناقب الإمام احمد بن حنبل" ص253، وابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" 1/ 184. والبدعة يقصد بها إنكار التجسيم الذي ينتهجه أهل الحديث!.
(2) ابن بطة العكبري "الشرح والإبانة" ص149 برقم 87.
(3) حسن البربهاري "شرح السنة" ص114 - 117.
(4) حسن البربهاري "شرح السنة" ص128.
(5) حسن البربهاري "شرح السنة" ص129.
(6) حسن البربهاري "شرح السنة" ص129.