قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

صاحب التفسير والتاريخ عن "المقام المحمود"، وكانوا ينتظرون منه أن يوافقهم على قولهم بأنه إجلاس الله تعالى للرسول (صلى الله عليه و سلم) بجنبه تعالى على عرشه، فنهرهم قائلاً:

سبحان من ليس له أنيس … ولا له في عرشه جليس

فثاروا عليه، ورموه بالمحابر والأحجار حتى أوشكوا أن يقتلوه، وقد تمكنت الجنود بشق الأنفس من استنفاذ الطبري من أيديهم حتى أوصلوه إلى بيته، وعاش تحت حراسة الجنود في بيته إلى أن مات سنة 310هـ، وقام البربهاري بالدعوة بالسيف إلى القول بأن المقام المحمود هو إقعاد الرسول في جنب الله على العرش، وكان ذلك ببغداد عام اقتلاع القرامطة الحجر الأسود من الكعبة. (1)

مثال آخر على إرهاب المحدّثين لمخالفيهم يحكيه ابن بطوطة في رحلته المشهورة حيث يقول: "فحضرته –يقصد ابن تيمية- يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: "إن الله ينزل إلى السماء كنزولي هذا" ونزل درجة من على المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته" (2). وقال إبراهيم بن سعيد الأطروش: "سألت أحمد بن حنبل عن قتل الجهمية؟ فقال: أرى قتل دعاتهم" (3).

لقد عرف منظرو أهل الحديث مكامن النفط في جيوب القشرة الأرضية المسفلتة بها عقول أتباعهم، فقاموا باستغلالها لتنفجر كالقنابل الذرية في وجوه المخالفين، مما يفسر المجازر التي قام بها هؤلاء ضد مخالفيهم كما سجلها لنا صاحب كتاب "المجد في تاريخ نجد" (4).

(1) الكوثري "مقالات الكوثري" ص392 - 393.

(2) ابن بطوطة "رحلة ابن بطوطة" ص113.

(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص90.

(4) يقول ابن بشر في وصف المجزرة التي قام بها أتباع هذه المدرسة ضد مخالفيهم في وقعة اليتيمة عام 1265هـ، ج1ص263 - 264 ما نصه: (وحامت عليهم حوائم السام، حتى ولوا منهزمين وعلى وجوههم هاربين، وذهل الوالد منهم عن ولده، والمنهزم أشفق على السلامة فرمى ما بيده، واستمر الضرب والطعن في أقفيتهم بعد أن كان في صدورهم، وانتقل القتل من نحورهم إلى ظهورهم، فلم تر إلا رؤوسا مقطوعة وأسلابا منزوعة، وأشلاء مطروحة وجلودا مجروحة، فلم ترجع عنهم خيل المسلمين ورجالهم وأبطالهم حتى قتلوا فيهم قتلا ذريعا، وفتكوا فيهم فتكا شنيعا) اهـ. والقتلى الذين يصفهم ابن بشر ليسوا جيشاً من المشركين بل هي قبيلة صغيرة آمنة من المسلمين المخالفين لاتباع ابن بشر!.

١٣٢ / ٢٦٦