قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٣استمالة العوام:
في العهد العباسي الأول ومع تعاظم دور الشيعة الشعوبية، انضوت خلايا المانوية السرية في نسيج الشعوبية، وجعلت تحارب الإسلام ودولته لنشر الفكر المانوي الثنوي "النور والظلمة" بين أفراد الشعوبية، وقامت تلك الخلايا المانوية بحملة ثقافية كبيرة عرفت بـ "معركة الكتب"، قامت خلالها بترجمة الكتب الفارسية المانوية القديمة ونشرها وتوزيعها بين أتباع الشعوبية، ونتيجة لبساطة منهج المحدثين لم يستطيعوا مواجهة المدّ الثنوي المانوي، فهبّ المعتزلة للذب عن الإسلام وأهله، وقاموا بفضح الفكر المانوي عن طريق الرجوع إلى العقل الكوني والإحتكام إليه.
هذا الصراع الذي استطاع فيه المعتزلة كنس الفكر المانوي من الساحة الفكرية الإسلامية، جعل أهل الحديث يستشعرون الخطر الذي يشكله فكر المعتزلة المتقدم على فكرهم الهرمسي البدائي، فتحالفوا كعادتهم مع السلطة الحاكمة لمحاصرة المعتزلة، واستغلوا جانب الحرية في عقيدة المعتزلة التي تقوم على حرية الفرد في الإختيار، والتي تستلزم الشورى وحرية إختيار الحاكم لتأليب السلطة المستبدة ضد المعتزلة، فتمت محاصرتهم ومطاردتهم والخلاص منهم.
بعد انحسار فكر المعتزلة وخلوا الساحة الفكرية لأهل الحديث خاصة بعد انتهاء محنة أحمد بن حنبل مع المأمون. قام أهل الحديث بنشر فكرهم الهرمسي في المجتمع، فانتشر بين العوام كالنار في الهشيم بسبب تسطيحه للقضايا العقدية، وتشبيهه صفات الله تعالى الغيبية بصفات ما يشاهدونه في حياتهم من كائنات ومخلوقات، معتمدين في ذلك على قياس الغائب بالشاهد، خاصة وأن هذا الفكر يتوافق مع المواريث الفكرية لدى الكثير من الشعوب التي دخلت الإسلام محملة بأوزار تراثها الوثني.