قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٤لقد اعتمد أهل الحديث أسلوباً دعائياً مكثفاً يعتمد على عبارات الجزم والقطع والإطلاق في التدليل على أفكاره وآرائه، وتكذيب أدلة مخالفيه. بالإضافة إلى إطلاق الدعاوى الرنانة من قبيل أن طرحهم الفكري هو امتداد لفكر السلف المقدس!، يقول ابن تيمية: "فمذهب السلف رضوان الله عليهم: إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها" (1).
ولم يتورع غلاتهم عن قلب الحقائق، من قبيل الزعم بأن مخالفيهم في العقيدة قد رجعوا إلى عقيدة أهل الحديث في آخر حياتهم!، وكمثال على ذلك يقول ابن تيمية: "وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، أما عند الموت أو قبل الموت … هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم رجع عن ذلك … وهذا أبو حامد الغزالي … ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث … وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي … وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره، واختار مذهب السلف". (2)
وقد فند حسن السقاف هذه الدعاوى بقوله: "وهل يتخيل هؤلاء المتمسلفون بأن الغزالي وإمام الحرمين وغيرهم رجعوا إلى عقيدة البعوضة والذبابة التي كان يعتنقها الشيخ الحراني الناصة على قدم العالم بالنوع، وإثبات الحد والحركة والجهة وقيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتقدس عما يقولون، أم أنهم رجعوا إلى (عقيدة البقرة) التي يذكرها ابن القيم في آخر اجتماع جيوشه" (3). وأسهب السقاف في دحض هذه الدعاوى في كتابه "صحيح شرح العقيدة الطحاوية"، وكذلك فعل عبد الوهاب السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى".
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج4ص6. يقول ابن جهبل (ت 733هـ) في "الحقائق الجلية في الرد على ابن تيمية" ص32: "وفي هذا الفرق من يكذب على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين، ويزعم أنهم يقولون بمقالته، ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ما استطاع أن يروي عليهم كلمة تصدق دعواه، وتستر هذا الفريق بالسلف حفظاً لرياسته والحطام الذي يجتلبه ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ﴾ النساء: 91، وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الروث مفضضاً والكنيف مبيضاً ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة".
(2) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ج4 ص72 – 74.
(3) حسن السقاف في رده على كتاب "منهج الأشاعرة في العقيدة" لسفر الحوالي.