قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وقد أدرك البعض حقيقة استمالة أهل الحديث للعوام من الناس لبسط نفوذهم على المجتمع، حيث يقول ابن القشيري (ت 514هـ): "ولقد نبغت نابغة من الرعاع، لولا استزلالهم العوام بما يقرب من أفهامهم ويتصور في أوهامهم لأجللت هذا المكتوب عن تلطيخه بذكرهم، يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيهاً والأخبار المقتضية حداً وعضواً على الظاهر، ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ ويتمسكون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ آل عمران: 7.
وهؤلاء والذي أرواحنا بيده لأضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمون، وهؤلاء أتوا الدين والعوام من طريق يغتر به المستضعفون، فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلوا في قلوبهم وصف المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات، فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائح فسال به السيل وهو لا يدري" (1).
انكار أهل الحديث للمجاز (2):
المجاز هو فن من فنون اللغة، استعمله العرب في لغتهم منذ قديم الزمن لتقريب المعاني وترسيخ الصوَّر الفنية الجميلة، بأسلوب سهل وألفاظ مختزلة قصيرة لا تستطيع الكلمات الكثيرة والتراكيب الطويلة توصيلها، خاصة بالنسبة للإنسان البسيط الذي لا يستطيع إدراك معاني الألفاظ الصعبة والتراكيب المعقدة، فحين يقول العربي لآخر مخبراً إياه عن شجاعة محمد:
(1) غاية البيان، قسم الأبحاث بهيئة المشاريع الخيرية الإسلامية ص42.
(2) يقول الشيخ خميس بن راشد العدوي: الذي أراه في المجاز أن اللفظة تحتمل معنيين: معنى قريب يتبادر للذهن في حال تجرد الكلمة، إما لأصل النشأة أو لكثافة الاستعمال، وهذا ما نسميه بحقيقة الاستعمال فبمجرد ذكر اليد نتصور الجارحة أو العين أو نحو ذلك. ومعنى أبعد منه، والبعد ناشئ من قلة الاستعمال بالنسبة للحقيقة، ولكن نذهب إليه ضمناً وضرورة لسياق الكلام، فاليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الفتح:10، لا يمكن أن نستخدمها إلا على سبيل المجاز ضرورة وحتما لأن السياق يمنع معناها الحقيقي القريب المتبادر مباشرة.