قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

"محمدٌ أسدٌ"، وعن كرمه: "محمدٌ بحرٌ"، وعن صلابته "محمدٌ جبلٌ"، سترتسم في ذهن الرجل الثاني صوراً عن شجاعة محمد وكرمه وصلابته لا تستطيع الألفاظ الأخرى مهما كثرت أن تعبر عنها بنفس تلك الدقة والقوة والصفاء، فلهذا كان المجاز فناً أساسياً من فنون لغات البشر.

من جهة أخرى فإن كل لغة في العالم مكونة من مجموعة من الحروف الهجائية ترتبط مع بعضها لتكوّن الكلمات التي تشكل قاموس كل لغة، فلو افترضنا غياب المجاز في أي لغة عالمية ستصاب تلك اللغة بالضعف وعدم القدرة على التعبير عن الكثير من المعاني -خاصة المستحدثة منها- بسبب محدودية الكلمات التي يمكن أن تنتظم منها حروف تلك اللغة، بيد أن استخدام المجاز يسمح بتضمين الكلمة الواحدة الكثير من المعاني، بحيث تستطيع تلك اللغة استيعاب كل المعاني المستحدثة، وهذه النقطة الجوهرية غفل عنها بعض من انساق وراء الدعاية الاستشراقية التي تتهم اللغة العربية بالقصور بسبب محدودية ألفاظها (1).

والقرآن الكريم نزل بلغة العرب بكل ما فيها من بلاغة ومجاز، يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ طه: 113. فلهذا استخدم الكتاب العزيز الكثير من الصور المجازية لتقريب المعاني وترسيخها في عقول البشر بأبسط الألفاظ وأوجزها وأعجزها كقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ آل عمران: 112، حيث عبّر عن العهد والميثاق بالحبل، وقوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ آل عمران: 103، حيث عبّر عن الإسلام بالحبل، وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ المسد: 4، حيث الحبل بمعناه المشهور عند الناس. فالكلمة نفسها إلا أن معناها تغير حسب اختلاف السياق والقرائن، وهذا هو المجاز.

(1) من هؤلاء محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي"، وقد رد عليه جورج طرابيشي في كتابه "نقد نقد العقل العربي" رداً علمياً رزيناً دحض فيه شبهاته التي أثارها حول لغة القرآن.

١٣٦ / ٢٦٦