قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

ومع تسليم العقلاء لحقيقة وجود المجاز في لغات البشر، ومع إجماعهم على بدهية هذه الحقيقة، إلا أن تغلغل فكر التجسيم في عقول غلاة أهل الحديث أدى بهم إلى القفز فوق جُدر البدهيات، وتهديم حصون المُسلّمات، وإنكار المجاز في اللغة العربية والقرآن الكريم!.

يعبر ابن القيم الجوزية عن رؤية أتباع هذه المدرسة اتجاه المجاز في كتابه "الصواعق المرسلة" الذي اختصره محمد الموصلي وجعل أحد عناوينه "كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات، وهو طاغوت المجاز" بالقول: "وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيماً شرعياً ولا عقلياً ولا لغوياً، فهو اصطلاح محض، وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم" (1).

من خلال هذه المقدمة البسيطة لابن القيم نستطيع أن نستوحي بعض الجوانب النفسية في الممارسة التنظيرية لغلاة أهل الحديث، فمن الواضح أن خصومهم ألزموهم بالأدلة القاطعة بطلان مذهب التجسيم، وأن منشأ الخبط الذي وقعوا فيه منشأه عدم تعاملهم مع النصوص بما تعارف عليه العرب من مجاز واستعارات لغوية، فكانت أبسط الطرق لإسقاط حجج مخالفيهم هي إنكار المسلمات "المجاز" التي يمكن الاحتكام إليها، وبالتالي تظل استدلالات خصومهم غير ملزمة لأنها مجرد مغالطات لفظية حسب تحليل ابن القيم.

وكما هو الحال دائماً يحاول ابن القيم إشهار سيف السلف في وجه الخصوم، ونفس العمل قام به ابن تيمية حين قال: "فإنه لم يوجد في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف، وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز … وكذلك منع من أن يكون في القرآن مجاز محمد بن جرير منذر، وغيره من المالكية، ومنع منه داود بن علي وابنه … وأما سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد أن في القرآن مجازاً، وإنما اشتهر

(1) ابن القيم " مختصر الصواعق المرسلة" لمحمد الموصلي ص233.

١٣٧ / ٢٦٦