قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٨في المائة الرابعة وظهرت أوائله في المائة الثالثة، وما علمته موجوداً في المائة الثانية، اللهم إلا أن يكون أواخرها" (1).
وهذا الأسلوب الدعائي المليء بالإطلاق في نفي ظهور المجاز قبل المائة الثالثة من الهجرة، والقطع في تأكيد ظهوره بعد ذلك لا قيمة له في سوق العلم، وهو مدفوع ومعارض بحقائق لا تقبل الجدل. "ونقرر في البداية أنه ليس مهماً أن يرد لفظ المجاز بعينه عند السلف، فاللفظ مجرد اصطلاح والمصطلحات غالباً ما تتأخر في الظهور عن الفن نفسه، ولم تبدأ أوائل المجاز في القرن الثالث كما يرى ابن تيمية، وإنما فشا المجاز في القرن الثالث، وداود الظاهري الذي ذكر ابن تيمية أنه أول أنكر المجاز في القرآن توفي عام 270 هـ، وها نحن قد عرفنا أنه أنكر قبل موته طبعاً أن يكون في القرآن مجاز. وهذا الإنكار يفيد، أولاً: أن المجاز كان معروفاً قبل وفاته، ثانياً: أن أمر المجاز قد اشتهر وأن قوماً لم يقصروا أمر المجاز على اللغة وحدها، بل قالوا به في القرآن الكريم، لأن الإنكار إنما ينصب على الإثبات، ثم نرى عند الجاحظ وهو أسبق وفاة من الظاهري وإن كان يعاصره، نرى الاستعارة تقفز إلى الظهور بجانب المجاز الذي لأول مرة عند أبي زيد القرشي، ثم تلاه أبو عبيدة في كتابه المعروف، وقد أورد الجاحظ لفظ المجاز في كتابه "الحيوان" (5/ 25) حيث قال في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ النساء:10، قال الجاحظ: وهذا مجاز آخر" (2).
و"نلتقي بمباحث الاستعارة والمجاز مرة أخرى عند علم من أعلام القرن الثالث وهو ابن قتيبة الذي قال في كتابه "تأويل مشكل القرآن": "وبكل هذه المذاهب نزل القرآن … لأن العجم لم تتوسع في المجاز اتساع العرب"، وقد قال الشافعي في "الرسالة" ص 52: "فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها … وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، ونقل البزدوي (ت 483هـ) في "أصوله" (1/ 64) استعمال الشافعي لمصطلح المجاز حيث قال:
(1) ابن تيمية "الإيمان" ص80، وص81.
(2) عبد العظيم المطعني "المجاز في اللغة والقرآن بين مجوزيه ومانعيه" ج2 ص647 - 651.