قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٩"وقال الشافعي رحمه الله: إن الطلاق يقع بلفظ التحرير مجازاً، والعتاق يقع بلفظ الطلاق مجازاً"، كما أورد البزدوي في "أصوله" (2/ 77 - 80) استخدام أبي حنيفة لمصطلح المجاز حيث قال: وقال أبو حنيفة: إن المجاز خلف عن الحقيقة في التكلم لا في الحكم، بل هو في الحكم أصل" (1).
والغريب أن مصطلح "المجاز" الذي ينكر ابن تيمية وجوده في القرون الثلاثة الأولى قد أثبته أحد أئمة أهل الحديث في القرن الثالث الهجري وهو عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) الذي قال: "ويلك أيها الثلجي، أتعلّم بوجه العربية ولغات العرب وأشعارهم من هو أعلم بها منك؟ هذا ههنا في المعروف جائز على المجاز، لا يستحيل، وفي يدي الله اللتين يقول: (خلقت بهما آدم) يستحيل" (2). وقال أيضاً: "ضحك الزرع مثل على المجاز، وضحك الله أصل وحقيقة للضحك" (3)، فهذا الكلام الواضح من إمام ابن تيمية يؤكد على أن إطلاق ابن تيمية النفي لوجود مصطلح المجاز في القرون الثلاثة المقدسة عنده عبارة عن فرقعات دعائية تستهدف العوام، ولا تستند على أية أرضية علمية.
كما أن ضعف حجة منكري المجاز أدى ببعض المحسوبين على أهل الحديث إلى الاعتراف بالمجاز والرد على من أنكره، فها هو ابن قدامة الحنبلي (ت 620هـ) يقول: "والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز وهو اللفظ المستعمل موضوعه الأصلي على وجه يصح … وذلك كله مجاز، لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال: لا أسميه مجازا فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه" (4)، وقال ابن كثير: "والملك في الحقيقة هو الله عز وجل … فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز" (5).
(1) المطعني نفس المصدر ج2ص652 - 679.
(2) عثمان الدارمي "رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد" ص414.
(3) عثمان الدارمي نفس المصدر ص486.
(4) ابن قدامة الحنبلي "روضة الناظر" ج1 ص64.
(5) ابن كثير في تفسيره ج1 ص39 في تفسير قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ الفاتحة:4.