قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٠وابن تيمية الذي يشنع على مخالفيه ويستهزأ بإثباتهم للمجاز ومصطلحه، لم يستطع الفكاك من ضرورة استخدام هذا الفن ومصطلحه فهو يقول: "فمن ظن أن هذا الاستواء إذا كان حقيقة يتناول شيئاً من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله، كان جاهلاً جداً بدلالات اللغات، ومعرفة الحقيقة والمجاز" (1)، فهو هنا يقسّم الكلام في اللغة إلى حقيقة ومجاز، ويقول أيضاً: "لو كان هذا يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولا في نظم ولا في نثر" (2)، وقال: "ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز: كان متناقضاً في مذهبه، مشابها لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض" (3).
وقد أقرّ ابن تيمية بوجود فنّ المجاز في اللغة العربية، وأوضح ضوابط استخدامه حين قال: "ومعلوم باتفاق العقلاء: أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد" (4). وهذا إقرار من ابن تيمية بوجود فن المجاز في اللغة!. ولا اختلاف معه في وجوب القرينة اللازمة لتجاوز ظاهر الكلام والأخذ بمجازه، إلا أن المثير للاستغراب حقاً هو أسلوب الاستخفاف الذي يتعامل به ابن تيمية مع أتباعه!. فتارة يقول لهم: لا يوجد مجاز في اللغة والقرآن. وأخرى يقول: المجاز موجود لكن مصطلحه مبتدع. وتارة يستخدم المجاز بنفسه ويحتج به، وأخرى يطالب مخالفيه بالتزام ضوابط المجاز في اللغة!.
يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: "ولعمري أن إنكار المجاز رأساً أو إنكاره من كلام الله وكلام رسوله (صلى الله عليه و سلم) ليس هو إلا مكابرة صريحة للعقل وتحدياً سافراً للواقع الذي لا يحتاج في وضوحه إلى دليل.
(1) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" ج5 ص208.
(2) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص521.
(3) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص212.
(4) ابن تيمية نفس المصدر ج5 ص167.