قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤١وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
فإن المجاز ليس مقصوراً على لغة من اللغات، وإنما هو من محاسن جميع اللغات، وبه يستطيع المتحدث بها أن يجاري أساطينها في مضمار البلاغة، وإنكاره في كلام الله وكلام رسوله دعوى لم يقم عليها دليل، ويترتب عليها إخراج القرآن والحديث عن أسلوب الكلام العربي المبين، وسلبهما بلاغة اللسان العربي، وأقوى دليل وأوضح حجة وقوع المجاز في الكتاب العزيز والحديث الشريف، فكم مخبر في كلام الله سبحانه الأمر بالتقوى بلفظ ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾ ونحوه، ومن المعلوم أن كلمة اتقى -في أصل وضعها- بمعنى تجنب، لأن اتقى على وزن افتعل مطاوع لوقاه يقيه بمعنى جنبه، وليس من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى، وإنما المراد تجنب سخطه بفعل أوامره وترك نواهيه.
ومنها قوله عز من قائل في وصف كتابه العزيز: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فصلت: 42، وليس للقرآن يدان محسوستان، ولا خلف حقيقي، ومنه قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ المجادلة: 22، ومن المعروف بالبديهة أنه ليس المراد منه أنه أخذ القلم وخط في قلوبهم الإيمان كما يخط الكتاب في الصحيفة، ومنه قوله عز وجل ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ الملك:15، مع أن الأرض لا مناكب لها، وهو في القرآن أكثر من أن يمكننا استيفاؤه". (1)
ومن أسباب انتشار فكرة الجمود اللغوي وعدم القدرة على استيعاب اتباع أهل الحديث للمجاز دخول جماعات كبيرة من الشعوب غير العربية المختلفة الأعراق المتعددة الألسن في الإسلام، بحيث تكدرت الطباع، واختفى الحس المرهف، وكثر اللحن نتيجة التداخل والتمازج بين العرب وهذه الشعوب، مما أدى إلى انتشار الركاكة في اللغة لدى قطاع واسع من الأمة، خاصة العوام منهم (2). يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي (ت 210
(1) أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب "مشارق أنوار العقول" لعبد الله السالمي ص273 – 274.
(2) أبو حيان الأندلسي مقدمة تفسيره "البحر المحيط".