قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

هـ): "قالوا: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، و مصداق ذلك آية من القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إبراهيم4، فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يسألوا عن معانيه لأنهم عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص. وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني" (1).

انكار أهل الحديث للتأويل:

كان هدف غلاة أهل الحديث من إنكار المجاز هو منع تأويل نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية، وأصل هذا المنع عبارة عن ردة فعل هوجاء على التأويل الغنوصي الذي اعتمدته الفِرق الباطنية لنصرة مذاهبها، حيث ادّعت تلك الفرق أن القرآن الكريم له ظاهر وله باطن، وأن هذا الباطن اختصت فئة معينة بمعرفته. واستغلت الشعوبية فكرة باطن القرآن الكريم لتضمين النصوص القرآنية معاني فاسدة من موروثها الديني المانوي (2). ومن بين تلك التأويلات الباطنية قولهم في تأويل قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ الرحمن:19. أن البحرين هما علي وفاطمة، وبينهما برزخ لا يبغيان هو النبي (صلى الله عليه و سلم)، ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي الحسن والحسين (3).

(1) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي "غريب القرآن" ج1 ص8. وعبارة أبي عبيدة التيمي هذه تؤكد أيضاً على وجود المجاز في اللغة العربية فناً وإن لم يذكر مصطلح المجاز لفظاً.

(2) يقول علي شريعتي في الرد على أصحاب هذه الفلسفة: "ولهذا كان السعي الحثيث من أجل ألا نقرأ القرآن ولا نتدبره، ولا نفهمه، وبحجج كثيرة مثل أننا لا نفهم القرآن، وأن للقرآن سبعين بطناً، ولكل بطن سبعون بطناً، وأن التفسير بالعقل ممنوع وحرام، ولهذا يصرّح القرآن قائلاً: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ ويقول في جواب أعدائه الذين يعرّفون القرآن باعتباره صعباً جداً ومعقداً جداً، ولكن بلهجة رقيقة مشفقة كي يبعدوا الناس عن القرآن، يقول في جوابهم: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ "علي شريعتي "فاطمة هي فاطمة" ص50.

(3) ابن مطهر الحلّي "نهج الحق وكشف الصدق" ص188.

١٤٢ / ٢٦٦