قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٣وردة الفعل المتعسفة هذه تدل على ضعف منهج أهل الحديث في مقارعة الفرق المنحرفة، لأنه وفي الجانب الآخر سجل لنا التاريخ حقيقة فضح المعتزلة للعقائد الباطنية للشيعة الشعوبية دون اللجوء إلى منع التأويل، لأن التأويل في جوهره هو رد النصوص المتشابهة إلى النصوص المحكمة، والنظر فيها من خلال القواعد الكلّية للشريعة الإسلامية المستنبطة من النصوص المحكمة للكتاب العزيز والسنة المجتمع عليها هو مطلب أساسي في التعامل مع النصوص المتشابهة.
يقول الشيخ خميس العدوي: "إن دين الله واضح المعالم، وضيء المسالك، بيّن الأحكام، جاء ليناسب الجوانب الثابتة من النفس الإنسانية، كما أنه لا يعوق حركة الإنسان في الحياة، فمن خاصية هذا الدين، خلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان، ولذلك كان من مشيئة الله تعالى، أن يكون في دينه الخاتم، آيات محكمات هن أم الكتاب، تكشف عن الحقائق الثابتة، سواء تعلقت بمقام الألوهية العظيم أو العقائد الغيبية، أو بما يتوائم مع رغبات نفس الإنسان في العبودية لله تعالى، أو بما يتلازم مع حاجة الأمة إلى الثوابت في كثير من القضايا، إلا أن من طبيعة الحياة، الحركة والانتقال من طور إلى طور، والتبدل من وضع إلى وضع، فجعل الله تعالى كثيراً من آيات كتابه قابلة للتأويل حتى تتناسب مع احتياج البشر للاستمداد من كتاب الله تعالى لتسيير حياتهم، والنظر في أمر معاشهم، وحتى يكون الإعمار الكوني المطلوب من الإنسان إعماراً صحيحاً لا انتكاسة فيه، لكن بشرط أن لا ينسينا المتشابه الواقع في كتاب الله تعالى المحكم من الآيات، وأن لا نركن إلى هذا التشابه لنثير به الفتنة، ولعلم الله السابق بحال الإنسان، فقد حذّر جل وعلى من ذلك بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ آل عمران: 7.
ولذلك جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه و سلم) القطعي المنبني على دلائل المحكم، وهو الركن الركين من الشريعة الذي لا يجوز الاختلاف فيه قطعاً، وجاء في كتاب الله