قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٤تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام أيضاً الظني المنبني على دلائل الظاهر والمتشابه وهذا أمر اقتضته حكمة لله البالغة حتى يتسع دينه العظيم للفوارق العقلية والفكرية والعلمية لعباده جل وعلا (1).
والنصوص المحكمة يراد بها النصوص المتناغمة مع بعضها بحيث تكون أصلاً راسخاً موثقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، والنصوص المتشابهة هي النصوص التي تدخل معانيها الكثير من الاشتاه والاضطراب والتعارض، ولأن التضارب والتناقض لا يمكن نسبته إلى الله تعالى عقلاً نقلاً حيث يقول تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ النساء: 82، وجب على المسلمين أن يرجعوا النصوص المتضاربة إلى منظومة النصوص المتناغمة حتى تنسجم في سياقها فيرتفع اللبس والإضطراب والتعارض، وهذا هو التأويل.
ولأن تأويل النصوص المتشابهة يعتبر من أهم الأسلحة التي تنسف عقيدة التجسيم التي يتبناها غلاة أهل الحديث، كان لزاماً على منظري هذه المدرسة إيجاد آلية لتجاوز التأويل، والتخلص من إلزاماته، وأبسط طريقة لفعل ذلك هو إنكار "التأويل" من أساسه، كما هو الحال مع "المجاز".
اتبّع غلاة أهل الحديث لإنكار التأويل نفس الأسلوب الذي اتبعوه في نفي المجاز من خلال استخدام العبارات التي توحي بالجزم المطلق، وامتلاك الحقيقة التي لا تقبل الجدل، ورفع قميص السلف الموسوم بالعصمة!، واتهام المخالف بالبدعة.
يقول ابن القيم في رده على التأويل: "التأويل: تفعيل من آل يؤول إلى كذا إذا صار إليه، فالتأويل التصيير، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه، فآل وتأول وهو مطاوع أولته. وقال الجوهري: التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أولته وتأولته تأولاً بمعنى، قال الأعشى:
على أنها كانت تأول حبها … تأول ربعي السقاب فأصبحا
(1) خميس بن راشد العدوي "رؤية تاريخية" ص50 - 51.