قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

قال أبو عبيدة: تأول حبها، أي تفسيره ومرجعه … ثم تسمى العاقبة تأويلاً لأن الأمر يصير إليها، ومنها قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء: 59، وتسمى حقيقة الشيء المخبر به تأويلاً لأن الأمر ينتهي إليها، ومنه قوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ الأعراف53، فمجيء تأويله مجيء نفس ما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله، والجنة والنار، ويسمى تعبير الرؤيا تأويلاً بالاعتبارين، فإنه تفسير لها وهو عاقبتها وما تؤول إليه، وقال يوسف لأبيه: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ يوسف100، أي حقيقتها مصيرها إلى ها هنا … فالتأويل في كتاب الله تعالى المراد به حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه وهي الحقيقة الموجودة في الخارج … فهذا هو التأويل في كلام الله ورسوله. وأما التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان" (1).

وهذا المدخل الذي افتتح به ابن القيم رده للتأويل يوافق جزئياً ما عليه الطرف الآخر، والذي يعرّف التأويل كما يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ): "التَأَوُّل والتَأْوِيل: تفسير الكلام الذي تختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه" (2)، وقول الفيروزآبادي: "أوَّلَهُ إليه: رَجَعَهُ. وأوَّلَ الكلامَ تأويلاً، وتأَوَّلَهُ: دبَّرَهُ وقدَّرهُ وفَسَّرَهَ. والتأويلُ: عبارَةُ الرُّؤيا" (3).

إلا أن ابن القيم ابتعد عن التعرّض للآيات المتشابهات التي لو أخذناها بصورة مجتزأة بعيداً عن النظر لانسجامها وفق القواعد الكلّية للشريعة الإسلامية، والتي تتطلب معرفة

(1) ابن القيم "الصواعق المرسلة" ج1ص175 - 178.

(2) الخليل بن أحمد الفراهيدي "كتاب العين" ج1 ص120.

(3) الفيروزآبادي "القاموس المحيط" في باب ص866.

١٤٥ / ٢٦٦