قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٦الأدوات اللغوية كالمجاز لأدى ذلك إلى التعارض والتناقض في النصوص وعدم مقدرة الفقه على التماهي مع الواقع الإجتماعي المتغير.
بل نجده عوضاً عن ذلك ينتقل إلى مرحلة أخرى من التشويش الإعلامي عن طريق نسبة التأويل إلى من سماهم بأهل الأهواء والبدع!، فهو يقول بعد ذلك: " وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل والتأويل يحتاج إلى دليل، وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك وابن مهدي الطبري وغيرهما، وعارضهم آخرون، فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين ابن قدامة" (1).
وما لم يذكره ابن القيم لأتباعه هو أن من يسميهم "الجهمية والمعتزلة والمتكلمين" يفرقون بين التفسير الذي هو بيان حقيقة الشيء، وبين التأويل الذي هو إرجاع الكلام عما ينصرف إليه من ظواهر ربما تأدي إلى التعارض والتضارب إلى القواعد الكلّية المحكمة المتناغمة المنسجمة مع بعضها بدلائل القرائن التي تصحبه، بينما حصر ابن القيم التأويل في نفس معنى التفسير. فإن قام ابن القيم بتفسير الآيات المتشابهات عن طريق إرجاعها إلى منظومة القواعد الكلّية المحكمة وفق ضوابط القرائن المصحابة فقد وافق الصواب، ولا يضير بعد ذلك أن يسمي فعله هذا تفسيراً أو تأويلاً فلا مشاحة في الإصطلاح، فنفس عمله الذي يسميه هو تفسيراً يسميه غيره تأويلاً.
(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج1ص178 - 180. وبالغ ابن القيم في إلهاب مشاعر الحقد لدى أتباعه ضد مخالفيهم الذين يفرقون بين التفسير والتأويل، وذلك عن طريق وصفهم بصفات بشعة كقوله:
إن الكلام مع الكبار وليس مع … تلك الأراذل سفلة الحيوان
أوساخ هذا الخلق بل أنتانه … جيف الوجود أخبث الإنسان
راجع: محمد خليل هراس في شرح قصيدة ابن القيم النونية ج1ص348.