قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٧لقد كان التأويل بلا شك ضرورياً لتوضيح معاني آيات القرآن الكريم، وتجلية خفاياها ودفع اللبس عن بعضها، فلولا التأويل لما استطعنا أن نفهم "النسيان" المنسوب لرب العالمين في قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ التوبة67 وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الجاثية34، والتي بتفعيل آليات التأويل أدركنا أن معناه أنه يعاملهم معاملة المتجاهل لدعائهم ورجائهم فلا يجيب لهم دعوة في الدنيا ولا يشملهم برحمته في الآخرة، وكذلك لم نكن لندرك معنى إتيان الله في قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ الحشر2، والتي تعني إتيان عذاب الله الهائل الذي لا يخطر ببال. إنه ضروري جداً لتنزيه الله عن صفات النقص التي يمكن أن تسبق إلى الذهن عند قراءة قوله تعالى ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران54، فالمكر المنسوب إلى الله هو استدراج المعاندين، والإملاء لهم حتى يأخذهم الله تعالى بذنوبهم.
وتتجلى ضرورة التأوّيل في قوله سبحانه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ البقرة:115، فإن أهل الحديث يحصرون الذات العلية في جهة العلّو فوق العرش لقوله سبحانه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه:5، والآية الأولى-إن لم تأوّل- أفادت أن الإنسان أينما ذهب في هذه الأرض فهناك وجه الله، وفي هذا ما يقتضي أن وجه الله سبحانه متدل من عرشه إلى أرضه عام لكل جوانب الأرض، ولا يستطيع أهل الحديث التصريح بهذا القول.
إذاً هم يتركون الآيات المحكمات التي هي أم الكتاب ويتبعون ما تشابه من آيات التي يجب رد تفسيرها إلى المحكمات -وهو المصطلح عليه بالتأويل- حرصاً على سلامة الآيات من التناقضات التي يتعالى عنها كلام الله، وحملاً لكلام الله على ما تقتضيه قواعد اللسان العربي المبين الذي شرفه الله بجعله لسان كتابه ولسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام (1).
(1) أحمد بن حمد الخليلي في تعليقه على كتاب "مشارق أنوار العقول" ص275.