قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

وأمام هذا الزخم الهائل من الاستدلالات التي تدعم موقف المفرقين بين التأويل والتفسير، بنى منظرو مدرسة التجسيم من غلاة أهل الحديث سدوداً جديدة من الشبهات لتحصين أتباعهم من قبول تلك الأفكار!.

يقول ابن القيم: "قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون، ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالاً على خلاف الحق عندهم، إما نصاً وإما ظاهراً بل دالاً عندهم على الكفر والضلال، لزم من ذلك لوازم باطلة منها الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل. الثاني: ومنها أن يكون قد نزل بيان الحق والصواب لهم، ولم يفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد. الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا معناه من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن معناه منها ما لا تدل عليه، ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك. الرابع: ومنها أن يكون دائماً متكلماً في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب". (1)

وقول ابن تيمية الذي نقله ابن القيم من أن كلام مخالفيه ليس له سند من الكتاب والسنة، يدور في فلك الدعاية المضادة للمخالفين والتشويش على الأتباع، لأن الله عز وجل يؤكد وجود الآيات المتشابهة المحتاجة إلى التأويل: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ آل عمران7، فهذه الآية نص صريح على

(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج1ص314 - 315.

١٤٨ / ٢٦٦