قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

وجود آيات دلالتها غير واضحة "متشابهات" تحتاج إلى الإظهار والتبيين "التأويل" عن طريق عرضها على الآيات الجَلِيّات الواضحات "المحكمات".

وقول ابن القيم "أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره ويوقعهم في التشبيه والتمثيل". ليس بحجة، لأن غلاة أهل الحديث حين أخذوا بظواهر الألفاظ اعتقدوا التشبيه والتجسيم. وماذا يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ الحشر:2، وقوله ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ آل عمران54، وقوله ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ التوبة: 67، هل يمكنه أن يثبت ظواهر هذه الآيات التي تؤدي إلى وصف الله تعالى بمعاني باطلة كالحركة، والانتقال، والمكر، والنسيان؟. بيد أن عقلاء المسلمين لا يقولون أن الله عز وجل أنزل ما يُضل، بل يقولون: أن الذي يتعامل مع القرآن الكريم دون امتلاك معرفة بأبسط فنون اللغة العربية لا محالة سيضل ويضل غيره.

أما قول ابن القيم "ومنها أن يكون قد ترك بيان الحق والصواب ولم يفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه إلا بعد الجهد الجهيد. ومنها أن يكون قد كلف عباده ألا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلّفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه. ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك" ليس إلا مناورة فاشلة، فقد ذكرنا قبل ذلك أن المجاز لا يمكن أن يصار إليه إلا بالقرائن، وليس في ذلك محنة وإلغاز كما يدّعي ابن القيم، لأن هذا المجاز من معهود اللغة العربية التي نزل بها كتاب الله وتكلم بها نبيه (صلى الله عليه و سلم)، بيد أن دخول اللحن في اللغة بسبب دخول الأعاجم واستفحال أمر أهل الحديث الذين ألغوا المجاز والتأويل، أدى إلى عدم استساغة العوام للصور البلاغية في اللغة التي يمثلها المجاز.

يقول الشيخ ابن بركة: "لو كان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة فيه وتبلدت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل واستوت منازل العباد، والله يتعالى أن يفعل ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته ورحمته ما صنع وقدر فيه، إذ جعل بعضه محكماً ليكون أصلاً يرجع إليه، وبعضه متشابهاً

١٤٩ / ٢٦٦