قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٥١

وقال الفوزان في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن27: "ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب سبحانه لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبداً". وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: 88 "كل من في السماء ومن في الأرض سيذهبون ويموتون ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ منصوب على الاستثناء، وهذا إخبار بأنه الدائم الباقي الذي تموت الخلائق ولا يموت" (1).

فلماذا قال هنا: إن الوجه عبارة عن ذات الله؟ وليس بمعنى الوجه الذي هو الجارحة، بحيث يهلك كل شيء حتى اليد والجنب والساق والقدم التي أثبتها أهل الحديث لله، جميعها سيهلك ولا يبقى سوى الوجه وحده. بيد أنه لجأ في هذه الحالة إلى التأويل الذي أسماه في البداية بالتحريف والإلحاد والتعطيل. والعجيب أنه يقول بعد ذلك: "الشاهد من الآيتين: أن فيهما إثبات الوجه لله سبحانه" (2). كيف يكون الشاهد إثبات الوجه (3)، وهو قد ذكر سابقاً أن المقصود في الآية هلاك كل شيء سوى "ذات الله" وليس سوى وجهه الحقيقي الذي يدعيه مجسمة أهل الحديث؟!.

وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ الطور: 48 " (فإنك بأعيننا) أي: بمرأى منا وتحت حفظنا". وفي قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ القمر:

(1) صالح الفوزان المصدر السابق ص48.

(2) صالح الفوزان نفس المصدر ص48.

(3) ويبرر أهل الحديث إثبات الوجه لله تعالى من هذه الآية بقولهم: "لو لم يكن لله عز وجل (وجه) على الحقيقة لما جاز استعمال هذا اللفظ في معنى الذات فإن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتاً للموصوف" (محمد خليل هراس "شرح العقيدة الواسطية" لابن تيمية ص65). والواقع يرد هذه الدعوى، فالله تعالى يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ فصلت:42، وأصل اليد ليس موجوداً في القرآن، والله تعالى يقول في الأرض: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ الملك:15، والأرض لا مناكب لها.

١٥١ / ٢٦٦