قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٧صوّرَ غلاة أهل الحديث لأتباعهم أن التوراة والإنجيل لم يحرّفا!، وأن العقائد التي تحويها موافقة تماماً لعقيدة الإسلام الصافية!، حيث يقول ابن القيم: "ثم هب أن الكتاب العربي جاء على لغة العرب وعبارة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف، وليس لقائل أن يقول: إن ذلك الكتاب محرف كله. وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم، وبلادهم متباينة، وأوهامهم متباينة، منهم يهودي ونصراني، وهم أمتان متعاديتان، فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون، مقرباً مالا يفهمون إلى أفهامهم بالتمثيل والتشبيه، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة". (1)
ويقول ابن تيمية: "وقد علم أن التوراة مملوءة بإثبات الصفات التي يسميها النفاة تجسيماً، ومع هذا فلم ينكر رسول الله (صلى الله عليه و سلم) وأصحابه على اليهود شيئا من ذلك، ولا قالوا: أنتم مجسمون، بل كان أحبار اليهود إذا ذكروا عند النبي (صلى الله عليه و سلم) شيئاً من الصفات أقرهم الرسول على ذلك وذكر ما يصدقه" (2). وقال أيضاً: "فقد علم أنه (صلى الله عليه و سلم) قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدله، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً لهم؟! ولم يعبهم قط بما تعيب به أهل الإثبات" (3). وقال أيضاً: "والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به احدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان" (4).
وقال: "فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ما يخالف ذلك، فإنهم كانوا يلوون ألسنتهم ثم يقولون هذا من عند الله ويكذبون في كلامهم
(1) ابن القيم الجوزية "الصواعق المرسلة" ج3ص1103 - 1104.
(2) ابن تيمية "منهاج السنة" ج2 ص562.
(3) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" المجلد الخامس ص34.
(4) ابن تيمية "مجموع الفتاوى" المجلد الخامس ص34.