قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٠كَافِرِينَ} آل عمران: 100، فكيف بعد هذا التحذير من أهل الكتاب وكتبهم المحرفة، يستسيغ أي مسلم أخذ عقيدته من تلك الكتب؟
لا ينكر تحريف التوراة والإنجيل إلا المغالط لنفسه، فنصوص تلك الكتب نفسها تؤكد حقيقة التحريف التي ينكرها اليهود والنصارى، فقد تمت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث، وأضاف النصارى إليه فقرات جديدة زعموا أن اليهود قد حذفوها من نسختهم الأصلية، وقاموا أيضاً بتضخيم العهد القديم، وأضافوا إليه فصولاً كثيرة، ونفس المجموعة التي كتبت العهد القديم هي نفسها التي كتبت العهد الجديد (1). وقد أثارت الاختلافات والتناقضات الواضحة في صفحات التوراة الحالية انتباه كثير من الباحثين قديماً وحديثاً، إلا أن العالم الناقد الكاثوليكي أستروك (1753م) كان أول من أشار صراحة إلى تعدد المصادر، واتفقت هذه الأعمال على أن التوراة تتكون من مجموعة كتابات جمعت وحررت وضمت في عمل واحد (2).
وتصديق القرآن لما مع اليهود إنما هو تصديق على الإجمال، إن القرآن يصدقهم فيما يذكرونه من إيمان بالله، وإثبات للوحي، وتكليف الناس، وحساب على الأعمال! لكنه لا يصدقهم حين يذكرون أن الله ندم على إغراق الأرض بالطوفان، ثم ندم على ما صنع واحتاج إلى من يذكره حتى لا يفعلها مرة أخرى! إنه لا يصدق العهد القديم حين يذكر أن الله يتمشى على الأرض، ثم مال إلى نبيه إبراهيم حيث تناول معه الغداء، ولا يصدقه حين يذكر أن الله صارع يعقوب ليلاً طويلاً، ثم لم يفلته حتى منحه لقب إسرائيل (3).
يقول محمد رشيد رضا: "ومن المعلوم من التاريخ بالقطع عندنا وعندهم أن التوراة التي كتبها موسى (عليه السلام) ووضعها في التابوت (صندوق العهد)، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل بحفظها كما هو منصوص في آخر سفر (تثنية الاشتراع) قد فقدت من الوجود عندما أغار
(1) Christopher Knight & Robert Lomas "The Hiram Key"page 61 - 62.
(2) محمد خليفة "علاقة الإسلام باليهودية" ص18.
(3) محمد الغزالي في كتابه "نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم" ص113.